في "إنال"ذكرى "الاستقلال" بنكهة الإبادة
الثلاثاء, 06 ديسمبر 2011 15:55

altaltاحتفلت قافلة الحقوقيين إلى "إنال" هذا العام بذكرى الاستقلال الوطني على وقع ذكرى جرائم الإبادة العرقية التي نفذها نظام الرئيس ولد الطائع مطلع تسعينيات القرن الماضي احتفال بــ"الاستقلال" من نمط خاص ربما يتذوقه من يزور إنال هذه الأيام في ظل هذه الذكرى والخبر الجديد الذي كشفته القافلة هو أن نظام الفساد والاستبداد في تلك الحقبة احتفل هو الآخر بذكرى الاستقلال 1990 على جثث الضحايا الذين قتلوا بدم بارد خنقا أو عطشا تحت التعذيب.


وتتضارب الأرقام التي تقدمها شهادات الناجين وعائلاتهم وأحفادهم ولكن المنظمات الحقوقية مجمعة على أن عدد الضحايا 28 ما بين ضابط وضابط صف وجندي. وتعتبر المنظمات الحقوقية أن الضالعين في تلك الجرائم لا يتجاوز عددهم 144 من المسئولين العسكريين والمدنيين في تلك الفترة. 
   استقلال بلا روح    
لا يجد الشعب الموريتاني معنى كبيرا لذكرى الاستقلال الوطني الذي منحته فرنسا لنخبة متغربة من أبناء الشعب الموريتاني في محاولة منها للإبقاء على مشروع التغريب الذي بدأته منذ منتصف الثلاثينيات بعدما أحكمت سيطرتها على البلاد عسكريا بعد معاناة طويلة كبدتها خسائر في الأرواح والمعدات والمؤن ويكفي موريتانيا شرفا أنها البلاد الإفريقية الوحيدة التي توجت مقاومتها باغتيال قائد الحملة الاستعمارية في موريتانيا أكزافي كبولاني ومنظرها الأبرز 1905 بقيادة رجل ينتمي للعترة الشريفة.
إن مشروع الحركة الوطنية الأصيلة لم يسمح له بأن يرى النور في ظل الهيمنة الاستعمارية الفرنسية كما أن البنية الانقسامية القبلية والعرقية والمناطقية الجهوية حالت دون بناء جبهة قوية قادرة على بناء رؤية ديناميكية للمقاومة السياسية والعسكرية المتكاملة من أجل فرض وجودها على الأرض وعندما حاول النائب أحمدو ولد حرمة ولد ببانه الشروع في تأسيس هذه الجبهة ولاحظ الفرنسيون قدراته القيادية هددوه مما اضطره لطلب المساعدة من الجوار المغاربي المشغول لحظتها بأولياته الوطنية المحلية.     
نكبة تقود لنكبات
لقد أسست نخبة المترجمين عن فرنسا دويلة ضعيفة فاقدة الأركان متهاوية البنيان لا توجد فيها أي مقومات للاستمرار إلى اليوم أي بعد نصف قرن من الأداء فلا تزال هذه الدويلة فاقدة لأهم أسس "الدولة" وتجاوزتها جاراتها الإفريقية التي كانت أكثر منها تخلفا بسنوات ضوئية رغم الفقر في الموارد والقدرات المادية والبشرية. ووجدت هذه النخبة نفسها بعد سنوات قليلة من الاستقلال المزعوم أمام تعارض رسالتها الاستعمارية والاستحقاق التاريخي والحضاري للشعب الموريتاني في أن يوائم بين هويته الثقافية والحضارية و"مشروع دولته المستقلة" ولكن رعاة استمرار الرسالة الاستعمارية في "مشروع الدولة" فرضوا مجددا بأدواتهم البغيضة ما يضمن لهم تهميش الهوية الوطنية لغة وثقافة لصالح لغة المستعمر وثقافته التي أرادوا لــ"سيادتها المنفردة" أن تلغي وتحل محل التعددية الثقافية واللغوية للشعب الموريتاني وجاءت السياسات المتقوقعة للكيان الهزيل لتكرس مزيدا من الانقسام والتعقيد في سياق الحلول التي اتجهت لتبني علاجات التهدئة والمسكنات بدل البحث عن حلول جذرية مقنعة ترضي جميع الأطراف ولا تستفز أيا من الأطراف الأخرى.
لقد اتجهت السلطة في دويلة الاستقلال إلى تسييس مسألة الهوية وإحكام عقدتها لدى جميع المكونات ونظرا لإحساس إخواننا من ابولار والسوننكى والوولف بخطر التهميش انخرطوا في مقاومة سياسات إقرار الهوية التي اتخذت طابعا إيديولوجيا بالنسبة للعديد من أبناء النخب البيظانية التي اتخذت من شعارات القومية العربية متكئا لفرض تصورها "الاختزالي" "التبسيطي" للحلول المتعلقة بهوية الشعب الموريتاني وهي هوية مركبة ذات أبعاد متنوعة تحتاج أكثر ما تحتاج في علاجها الابتعاد عن الاختزال في لون واحد ورؤية ثقافية واحدة.
غير أن أسوأ نموذج للتعامل مع هذا الإشكال جاء على أيدي مجموعات متشبعة بالفكر القومي المتأثر بالفاشية خصوصا النموذج القومي البعثي والناصري الذي أراد أن يقدم حلولا شبيهة بتلك التي تبنتها العراق وسوريا لعلاج المسألة الكردية ونحن اليوم نشاهد فشلها في بلدانها وفي موريتانيا نعيش الحراك الواسع لمن وقعت عليهم مظالم الماضي وكيف لا يرضون بغير تسوية جدية فعلية للملف.
الإبادة عود على بدء
ترفض العديد من شرائح الشعب الموريتاني خصوصا من البيظان أن تفهم أو تتفهم الآلام التي يعيشها إخوانهم من الشرائح التي ظلمت في عهد الدولة الحديثة وبأدواتها قمعا أو تهميشا ولنا أن نسائل الرافضين لفهم القضية لماذا لا يتفهمون المشكلة ليبحث الجميع لها عن حلول وتشخيصات أكثر دقة من أجل تجاوزها خصوصا وأن تتبع وقائعها سهل وميسور ولماذا لا تترك القضية للتحقيق القضائي النزيه إذا كنا فعلا دولة مستقلة ونملك مؤسسة قضائية مستقلة قادرة على التحقيق وإدانة الضالعين في ملف الإبادة التي استهدفت عشرات العسكريين من أبناء وطننا إن الحكمة والسياسة يقتضيان التضحية بسنوات قليلة هي المتبقي من عمر العسكريين والمدنيين الضالعين في هذا الملف بدل توريط شعب بكامله في حريق مدمر خصوصا وأننا نؤمن بأن الظلم هو سبب خراب العمران.
لا تستطيع الدولة الموريتانية أن تنكر أن المئات من العسكريين الموريتانيين تمت تصفيتهم على أساس العرق واللون فهؤلاء أسماؤهم معروفة وأسرهم وأصدقاؤهم موجودون وزملاء الخدمة معهم يعرفون القصة وإخفاء الجريمة غير ممكن والدولة اعترفت بها صراحة عبر خطابين رئاسيين للآخر رئيسين بما فيهم الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز فما المانع وقد تم الاعتراف بالجرم من تسويته تسوية مرضية للجميع على أسس العدل والحرية والكرامة ولماذا يقيم مجتمع البيظان سدا منيعا من الصمت لحماية ثلة من الجرمين القتلة الذين قتلوا ونهبوا وخربوا كل شيء في موريتانيا على امتداد الثلاثين عاما الأخيرة.
إن قائمة المتهمين لا تتجاوز مأتي شخص ويعرف الجميع أنهم من المجرمين المحترفين الذين حكموا هذا البلد بسياسة الحديد والنار والظلم والفساد فما الداعي للدفاع عن القتلة؟ والمفسدين ألا يجب أن يمثلوا أمام القضاء ليقول كلمته في هؤلاء المجرمين؟ وما الذي يمنعهم من أن ينال كل واحد حقه إذا كانوا غير مجرمين؟ لماذا لا تتم محاكمتهم للتتم تبرئتهم وتحفظ أعراضهم من الانتهاك وأعراض أبنائهم وأسرهم وكل من له صلة بهم؟.
عندما نستعرض القائمة التي وزعتها المنظمات الحقوقية في "إنال" هذا الأسبوع على هامش التظاهرة ندرك أن جل من وردت أسماؤهم في تلك القائمة هم فعلا من الأيادي السوداء التي مثلت خير سند ومعين للدكتاتور معاوية ولد سيد أحمد ولد الطائع وكلهم من الشخصيات الضالعة في فساد سياسي وأمني واسع لتلك الحقبة فقد أهلكوا الحرث والنسل وأتوا على الأخضر واليابس في هذه البلاد ويستحقون فعلا أن يوقفوا أمام القضاء ليقول كلمته فيهم حتى لا تظل بلادنا تنتج باستمرار نفس التجربة.
وبات الجميع الآن يدرك أن النظام الحالي للرئيس ولد عبد العزيز هو أسوأ نسخة يمكن أن يلدها رحم الفساد والاستبداد الذي منيت به الدولة الموريتانية التي لن تزال في معاناتها المستمرة وهي تحكم بنمط هؤلاء الحكام والشعب الموريتاني المسكون بهواجس الفرقة والصراع العرقي مغيب عن الوجود والفعل بفعل هيمنة عصابة إجرامية تلتف دائما حول البلاط وتوجهه لخدماتها الفاسدة بينما يتم تغيب أصحاب الأكف النظيفة وأصحاب القدرات العلمية والفكرية عن مراكز القرار حتى تظل شرذمة الفساد سادرة في نهبها مطمئنة لسيئ عملها.
لا يجوز أن تمر ذكرى الاستقلال مرة أخرى في زمن التحولات والتغيرات العميقة إلا وقد أخذنا على يد الظالم وتحددت بوصلة استقلالنا نحو وجهة وطنية جديدة يسود فيها العدل وقيم الحرية والتسامح ومما لاشك فيه أن فئات من شعبنا قدمت نماذج من الصبر على الظلم لن تخذلها السنن الاجتماعية والكونية الحاكمة سيأتي اليوم الذي ينصر الله فيه المستضعفين بعدما نالهم من ظلم وجور وسنة التداول ماضية لا تتبدل "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ".     
       
                                      

في

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox