| البقالي ..ورحلة ابتزاز المعزولين |
| السبت, 24 ديسمبر 2011 10:41 |
|
الأمر بالتأكيد لا يعد فخرا، ولكنها الحقيقة.. غير أنني خبرت جيدا ذلك الصرح الإعلامي الشامخ المنتصب على شارع علال بن عبد الله بوسط الرباط، الذي كان البقالي أحد لبناته التي تنتج أخبار العالم قبل أن تطلقها إليه في حلة طابعها السرعة والتميز والمصداقية. لقد كنت، بداية سنة 2008، ضيفا على وكالة المغرب العربي للأنباء (MAP)، في دورة تكوينية لصالح مؤسسة صحراء ميديا، ولأنني قادم من موريتانيا كنت محل تقدير وإعجاب الجميع. شعرت بخجل بالغ حينما وجدت زملائي المحررين ورؤساء التحرير وكذلك العاملين في الإدارة، وكأنه لا شغل لديهم سوى تسخير طاقاتهم لخدمتي ولإنجاز مهمتي على أكمل وجه، ولكل حكايته الخاصة في حب موريتانيا وأهلها الطبيبين، يستوي في ذلك من سبقت له زيارتها منهم، ومن هو على وشك التحضير لها في مهمة رسمية أو سياحة تشبع تعلقه بالشعب والبلد. وعلمت من بعض الزملاء، في أحاديث جانية، أن معظم كوادر الوكالة الموريتانية للأنباء، تخرجوا من المغرب أو تلقوا دورات تكوينية في وكالة المغرب العربي للأنباء.. وأن البقية استفادت من مكونين تابعين للوكالة من خلال دورات أشرفوا عليها في نواكشوط، وفي مقدمتهم رئيس التحرير مصطفى عدي؛ الذي أشرف على تكويني بالرباط. ما لا تعرفه الحكومة الموريتانية هو أن المشتركين في وكالة المغرب العربي للأنباء عبر العالم يطلعون يوميا، وبكافة اللغات الحية، على نشاطاتها من خلال القصاصات والتقارير التي يعدها الزميل البقالي من نواكشوط لحظة بلحظة.. إلى جانب متابعته لنشاطات الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، بقدر يتجاوز ما تتناوله وسائل الإعلام الرسمي الموريتاني مجتمعة. وما تجهله الحكومة الموريتانية، أو تتجاهله، هو أن حربها على الإعلام، تشل أحد جناحي حربها على ما تصفه بالإرهاب، علاوة على عجزها عن إدراك تماسك واستماتة الإعلام العالمي في الدفاع عن أي صحفي أهدرت كرامته، أو تمت معاملته بالشكل الذي تعرض له زميلنا البقالي. إنها؛ وباختصار شديد، حكومة عاجزة عن التصور، رغم الكفاءات العلمية لمعظم أعضائها، لأن من عينها استخفها فأطاعته، بعد أن نصب؛ من تحت مقاعدها، حكومة ظل تدفعها للاستسلام، وتعرضها للمساءلة، وتنهب باسمها خيرات البلد.. بل وتدخلها في صراعات وهمية مع هذا الطرف أو ذاك لابتزاز الحكومات التي لفظتها شعوبها من أجل دفع المزيد في حسابات خاصة، بدءا بغباغبو، ومرورا بالقذافي، ومواصلة مع صالح والأسد وأحمدي نجاد. من هنا يأتي طرد الزميل البقالي، بعد زيارة محمد ولد عبد العزيز للجزائر، وبعد يومين من اختطاف دركي موريتاني شرقي البلاد، لضرب عصافير عديدة بحجر واحد، أحدها حمل النظام الجزائري على تزويد موريتانيا بالبترول المخفض سعره، في ظل الارتفاعات المتكررة لسعره في الداخل، فيزداد بذلك دخل المتنفذين.. وثانيها تدخل المخابرات الجزائرية لدى عملائها في المنطقة لإطلاق سراح الدركي، دون الرضوخ لمطالب القاعدة التي قد تتضمن الإفراج عن سجناء في موريتانيا.. وثالثها توجيه إشارة إلى النظام الإيراني بأن حكومة ولد عبد العزيز بدأت تدير ظهرها للجارة الشمالية المغرب انتقاما لقطع الرباط علاقاتها الدبلوماسية مع طهران.. ورابعها شل المعبر الحدودي الوحيد الذي يشهد تبادلات تجارية تشكل متنفسا لاقتصاد البلد، بعد تراجع دور معبر روصو بفعل التوتر في العلاقات مع السنغال، لفتح المجال أمام اقتصاد التهريب.. وخامسها السعي إلى نشوب أزمة خارجية تشغل الرأي العام عما يدور في الداخل من نهب للثروة وانسداد في الأفق السياسي في ظل موجة جفاف تضرب البلد لأول مرة منذ نحو أربعة عقود. ما أقترحه على الحكومة المغربية الجديدة، هو أن تبقي على علاقتها الأخوية المتميزة مع الشعب الموريتاني ، دون اكتراث بما يقدم عليه ضيوف القصر الرئاسي في نواكشوط من مغامرات هدفها الأول والأخير ابتزاز الأنظمة المعزولة عبر العالم من خلال طعن الأشقاء من الخلف. وإن كان لي من رأي في حل فتيل الأزمة المختلقة مع الرباط، فهو أن تعد حكومة بنكيران النظام الموريتاني بدفع أكثر مما ينتظره من إيران، وحينها ستمتلئ فنادق المغرب بموفدي الرئيس الموريتاني المحملين برسائل الاعتذار عن طرد البقالي، في حين ينشغل أمنه بمطاردة واعتقال الشيعة الموريتانيين المحتفلين بذكرى عاشوراء الماضي في العاصمة نواكشوط. |
