altأبو إسحاق الدويري
أستسمح من المُنجِبة المصون فاطمة بنت الخُرشُبِّ في تحوير عبارتها الخالدة, عن أبنائها البررة, في حديث عن نظام لو بُعِثَ الحُطيئةُ من مرقده مستحضرا جميع قوافيه, مع نقائض جرير وإخوانه, ومستذكرا قريض ابن الرومي الموجع في الأخفش, ومنشدا للمتنبي أواخر المصريات, ومتأملا آهات التوحيدي في مثالب الوزيرين, وحافظا لخطابات عزيز ومسعود في آخر حملة, لما وجد –قدس سره- شيئا من مقابح القول وفواحش اللفظ ما يناسب هذا النظام.
فبعض الأنظمة أصغر من الهجاء, لذلك أرى أن مولاة هذا النظام أو معارضته ضرب من العبث المبكي, بل أثقل على نفوس الأحرار من الغناء الوسط, فحاجب الأمراء السابقين, وسيد القصر الآن -عزيز- يتمتع بذكاء عز نظيره, عكس ما توحي سيرته الذاتية, وما يقوله معارضوه عَلَناً, وموالاته سرا, وبرهان ما ذكرت أن ما عمله أسلاف عزيز من حكام البلد السابقين من الأخطاء خلال نصف قرن, استطاع العبقري الظاهرة فِعلَه خلال سنتين وزاد, ومن عبقريته أن أموره مكشوفة, فهو لا يخاف غضب الشعب لأنه لم يأت قبله مثله, ولن يأتي بعده مثله, ولا يبالي بالتاريخ وأحكامه وعبره, لأن حمال الأوجه والحَكَم الذي لا يظلم لا يُدرس في الكليات الحربية, ولا المعاهد المكانيكية, والعلوم الإنسانية عموما حسب المنظر الأكبر نوع من الترف الفكري لا يحتاجها الوطن لأنها لم تكن من المواد التي قتلها الرئيس بحثا وتعمقا, كالصفق في أسواق العالم, ومحاسبة النساء بجرائر أزواجهن, فأمثال قيس بن زهير دائما أقل من مثيلات بنت الخرشب, هذا وإن المراقب للشأن الموريتاني يلاحظ أن الأزمة الوطنية المتجددة مع الانقلاب المشئوم 2008, لا تزيدها الأيام إلا عمقا في البنية الاجتماعية , وانتشارا في جميع أنحاء الوطن, فهل نقم أحرار الوطن -من فرسان تغيير, وإسلاميين ويساريين, ووطنيين- على محروس عزيز إلا استبداده وتأليه نفسه, وانتشار البطالة وإفقار الشعب, وتكريس مظاهر العبودية التي تؤلم كل ضمير بشري, إن كل الأسباب التي جعلت فرسان التغيير يحملون أكفهم على أرواحهم, والإسلاميين يضحون بمؤسساتهم وحرياتهم, واليساريين بأوطانهم, لا تزال قائمة, بل وأكثر من ذلك حيث جعلت مقدرات الشعب وأمواله دُولة بين الرئيس وبعض من مقربيه, ولُعِبَ بالعلاقات الاستراتيجة الخارجية حسب مزاج العسكر المتقلب تقلب الدهر الخئون.
وزُجَّ بالمؤسسة العسكرية في حرب نكود مع شياطين الصحراء وأسيادها العابثين بشجاعة عزيز ورفاقه الذين جبنوا عن اختبارها في المغيطي آخر أيام محروسهم, وأوائل عنف التنظيم المُعَقَّد,ِ إضافة إلى تمريغ للكرامة الموريتانية من خلال المواقف المخزية غير المبدئية مع أنظمة الذل والعار في شرق الديار العربية وغربها, بل وبيع جوازات السفر الديبلوماسية, جراء دراهم يجود بها الإرانيون أو القذافيون, -ألا أراح الله البلاد من نقائذ البؤس- إن الوضع المأساوي الذي تعيشه موريتانيا من جفاف وفقر وعدم استقرار, وتيه سياسي, وشره مالي من قبل سيد القصر وصل استخدام البنك المركزي الوطني في تحويلات قذافية مشئومة, مع أمور كثيرة صارت حديث الناس, - وحسبك من شر سماعه- واستنساخ تجارب أنظمة بائدة, واضطراب للعلاقات الخارجية, أمر يؤرق المشفقين على هذا الوطن المبتلى بحكامه وساسته ومن يدور في فلكهم من باعة الضمائر, والإفلاس المبدئي.
لكن سنن تاريخ موريتانيا علمتنا أن هذا الوضع المزري نهاية أنظمتها, ومعالم النهاية القريبة لم تتحدد بعد, إلا أن الشعب سئم من سرقات أحلامه وآماله, ومشاريع التغيير فيه, وملَّ أيضا من الحلول الترقيعية أيا كان مصدرها داخليا أو خارجيا, ونحن الآن إما أن يأتي عسكري جديد يعيدنا للحلقة المفرغة التي ما زلنا ندور فيها, منذ سنة سجن المختار وحتى يوم الناس هذا, كلما جرب عسكري وفشل, يأتي آخر من خارج التاريخ, ويكتفي الشعب بفرحة الجديد مع ترقبه لحماقات القادم الأبدي, والأدهى أن العسكري المتأخر زمنيا, متأخر أيضا كفائيا وإداريا, وحينا خُلُقِياً. وإما أن يتحمل الشعب مسئوليته التاريخية, ويعلم أنه غير منقطع عن أمته, وأن دوران المنجنون هذا لن يتوقف ما لم ويقف كل شيء عند حده, وأن التاريخ لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها, كما يقول بن نبي, والخيار الأخير هو الأقرب لهذا الشعب المسالم الصبور, فكيف وقد تنسم عبير الربيع, وهبت عليه رياح التغيير, وذاق طعم الحرية حينا, وأيقن بقول أبي الطيب:
إنما أنفسُ الأنيس سباع ... يتفارسن جهرةً واغتيالا
من أطاق التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
|