| 2011 في موريتانيا : عام الانكشاف الكبير |
| الأحد, 01 يناير 2012 06:45 |
|
نحن مع نهاية العام أفضل منا في بدايته... هكذا لخصت رؤيتي لصديق مقيم خارج البلد اتصل قبل أيام يسأل عن حالنا ويأسف لأن العام 2011 يوشك أن يرحل ولم تأخذ فيه موريتانيا حظها من نسائم الربيع، استغرب صديقي الخلاصة وأتوقع أنكم أشد استغرابا لكن استسمحكم كما استسمحته في عرض ما معي من أدلة وأنا أراهن أنكم ستوافقون بأغلبية مريحة على الخلاصة القائلة إننا اليوم أفضل. عندما وصل الجنرال محمد ولد عبدالعزيز إلى السلطة في السادس من أغسطس 2008 نجح ببراعة مذهلة في السطو على مشاعر قطاعات واسعة من الرأي العام مستخدما ذات الشعارات التي ظلت المعارضة ترفع على مدى عقود، مضيفا لها خلطة من الوعود والإنجازات الاستعراضية ليصبح الرجل في ظرف وجيز " مشروع بطل " في أعين تلك القطاعات المنتمية لمساحات من الرأي العام ظلت مسكونة بمعارضة الأنظمة المتعاقبة منذ الاستقلال. لم يحسن الجنرال سياسة " المكانة" التي سطي عليها فضاعت منه بسرعة مشابهة لتلك السرعة التي تمت بها عملية السطو أول مرة، و لكأن بن زريق ينطق باسمه عندما يقول أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته... كذاك من لايسوس الملك يخلعه وعندما نرجع النظر إلى تصرفات الرجل خلال العام المنصرم نفهم كيف بدد تلك الصورة الخادعة التي باعها أعلامه للفقراء صيف العام 2008 وما تلاه، دعونا نستعيد مشاهد معبرة من " الانكشاف الكبير" لنرى أننا اليوم أفضل حالا وقد أزيح الغطاء عن أعين ضحايا السطو المساكين - عندما أعلن في بداية العام عن عملية التضامن التي أريد لها أن تكون التجسيد العملي لشعار رئيس الفقراء،جاءت الأرقام لتقول إن التضامن ليس مع الفقراء ولكنه في الواقع مع رجال الأعمال المقربين من الرئيس، أولئك الذين كانت أموالهم جزء أساسيا من عملية السطو على المشاعر فكان التضامن مكا فأة لهم على الإسهام في تلك الحملة التي وظف فيها إعلام الدولة ومناصب الدولة وميزانية الدولة وذمة الدولة. - وعندما أزيح الستار عن المستفيدين من عملية بيع " ابلوكات" التي صورت يوما أنها أيقونة استعادة الدولة هيبتها إذا بالقائمة نفسها المستفيدة من " التضامن" ، ومن يليها من الأصول والفروع والعصبة والمتعصبين.. لقد كان الانكشاف كبيرا هذه المرة فابلوكات ليست ثروة مالية كبيرة فحسب، بل إنها أيضا جزء من ذاكرة وطن شهد لحظة ميلاد دولة، واختزن ذاكرة عائلات كثيرة، وفجأة أخرجت تلك العائلات من ديارها، وشردت بعيدا ودمرت ذاكرة الوطن وسلمت الأرض والثروة والذاكرة لدائرة الخصوصيين " المساهمين في عملية السطو الكبيرة". - وبعد أن طال انتظار تحرير السمعي البصري سنوات عديدة، واستعدت له جهات إعلامية تمتلك خبرة متراكمة، وإرادة قوية، ورؤية تحريرية مهنية، ورصيدا ماليا مجزيا، أعلنت قائمة المستفيدين بعد ساعات قليلة من فتح الملفات، ولم تكن القائمة إلا نفسها التي حظيت بالتضامن وفازت ببلوكات، وكان لها قصب السبق في الصيد والمعادن، وصفقات البر والبحر والجو وما بينهما.. إنها نفس الدائرة المحظوظة ذات الخط والحساب المفتوح مع رأس الهرم، رئيس الدولة والقضاء والجيش والصفقات ، والحرب على الإرهاب، المراقب لكل شيئ، والمتابع لكل التفاصيل بما فيها نغمات المكالمات الهاتفية والدردشات الفيسبوكية للحالمين بالحرية والديمقراطية في موريتانيا. - وبطيعة الحال أخذت الوحدة الو طنية، وقضية الرق نصيبا مجزيا من الانكشاف فقد شهدت بداية العام انطلاق " إحصاء امربيه رب " الذي يستبطن رؤية إقصائية للمجموعة الزنجية فاض بها كأس الجنرال وحاشيته، وزمرة المؤمنين بدولة المجموعة الواحدة في موريتانيا، وكانت ذكرى الخداع الكبير أو تاريخ الوصول إلى السلطة لحظة الانكشاف الكبرى في هذا الملف فقد ظهر موقف عزيز الأصلي من القضيتين في برنامج لقاء الشعب؛ حيث أنكر وجود الرق، و ودافع باستماتة عن الاحصاء العنصري ، وجاء استكثاره لعدد المسجلين في غورغل وكيدي ماغا ولبراكنة ليفضح المستور من رؤية عنصرية دفينة وكان التعاطي مع مظاهرات لاتلمس جنسيتي، ورحلة إينال، والملفات الحقوقية المرتبطة بالرق أكبر تعبير عن حقيقة موقف السلطة من القضايا الوطنية، وهو موقف لم تستطع مساحيق كرنفالية الحوار أن تخفي ندوبه وتشوهاته الغائرة في جسم نبت على العنصرية والأحادية والإقصاء والاستعلاء من أول يوم. - وعلى جبهة ما يعرف بالحرب على الإرهاب كانت الحصيلة ثقيلة فقد تم الزج بجيشنا الوطني في حرب متهورة خارج الحدود سقط خلالها العشرات من أبنائنا البررة في معارك حاسي سيدي، وغابة واقادو، وباسكنو، وهانحن ننهي العام والدركي اعل ولد المختار مختطف من جماعات العنف دون أن يستدعي الأمر مجرد تعليق من وزير الداخلية في مؤتمر صحفي مخصص للتبجح بقوانين غامضة يظن قادة عمليات السطو أن بإمكانهم ان يكسبوا بها فترة جديدة بعد أن نفد رصيد شعارات " رئيس الفقراء" والحرب على الفساد وغيرها من شعارات الجيل الأول من عملية السطو الكبير. إن من يطلع على قصص المواطنين الموريتانيين الذين زج بهم النظام في عمليات أمنية متهورة شمال مالي وانتهوا بين أيدي جماعات العنف لتكون نهايتهم الذبح يشعر بمرارة مزدوجة؛ أولا لأننا فقدنا أبنائنا في حرب لاناقة لنا فيها ولاجمل، وثانيا لأن المجموعة الممسكة بالسلطة تريد أن يكون مجرد الحديث عن الأخطاء والخطايا المرتكبة في تلك الحرب الحمقاء من المحرمات ليس هناك تسمية يمكن أن تطلق على ما جرى ويجري حاليا من حرب بالوكالة شمال مالي سوى أنه جرائم بحق وطن لابد من كشفها وتوثيقها فى انتظار اليوم الذي يقدم فيه المتورطون فيها للعدالة وتتم مسائلتهم عن حقوق الأطفال اليتامي والأمهات الثكالي والزوجات الأرامل، ويخطأ النظام إن ظن أن بإمكانه تحت شعارات المحافظة على معنويات الجيش، والاستدعاء الكاذب للروح الوطنية أن يتستر على تلك الجرائم، فلابد من كسر ذلك التابو وتقديم أجوبة مقنعة عن حقيقة دوافع تلك الحرب وعدد ضحايها وفي أي سياق، وما هي الرؤية التي تحكمها وإلى أين تمضي مستقبلا.. إنها أسئلة ملحة لم يعد من الممكن تفادي الإجابة عنها مهما كانت الذرائع والشعارات المرفوعة..؟ - مكرها غير بطل جمد الجنرال عزيز علاقاته مع الكيان الصهيوني، أثناء الحرب على غزة، ضمن خطوات كانت تستهدف بالأساس الحصول على شرعية شعبية في وقت استعصت فيه أبواب الشرعية السياسية والدولية، وفعلا لاقت الخطوة ترحيبا واسعا فقد ظلت العلاقة مع الصهاينة واحدة من النقاط القليلة التي يجمع الموريتانيون على استهجانها، وكانت الظرفية التي تم فيها قرار التجميد عاملا إضافيا جعل الخطوة تدغدغ مشاعر الموريتانيين، وتجعل عديدين منهم يعتبرونها كافية ليغفر للقائمين بها ما تقدم من ذنبهم وما تأخر. لقد حامت شكوك كثيرة منذ البداية حول حقيقة ما حصل فعليا للعلاقة مع الصهاينة وكان أمرا مثيرا للدهشة أن الكيان الصهيوني لم يعر أي اهتمام للخطوة رغم أنها تمثل - إن كانت جدية - ضربة في العمق لمشروع استراتيجي اسمه إقامة علاقات طبيعية مع الدول الإسلامية القريب منها والبعيد المؤثر والأقل تأثيرا. لقد كان مجرد الركون للموقف الصهيوني الفاتر من إغلاق السفارة غير كاف للتشكيك في الخطوة لكن مؤشرات وقرائن عديدة ظهرت خلال العام الفارط جعلت تلك الشكوك تكبر وجعلت من غير المستبعد أن يكون تحت قرار التجميد والقطع قرار آخر يبقى على خيط ما للعلاقة بين تلابيب وسيد القصر الرمادي الذي لم يؤثرعنه طيلة سنواته الطويلة في النظام السابق أي تذمر من إقامة تلك العلاقة أصلا، وكان لافتا في هذا السياق إعادة الثقة في النصف الأخير من السنة لثلاثة من أبرز رموز التطبيع هم ولد تكدي السفير السابق في تلابيب ، وأحمد ولد سيد أحمد وزير الخارجية السابق الذي وقع قرار رفع التمثيل الدبلوماسي مع تلابيب، نهاية الألفية الماضية، والشيخ العافية ولد محمد خونا أول وزير خارجية موريتاني يزور الكيان الغاصب، فقد عين الأول سفيرا في نيويورك، واختير الثاني لرئاسة بعثة الإتحاد الافريقي لمراقبة الإنتخابات التونسية، وكلف الثالث بالاشراف على مكتب إعادة إعمار ليبيا التابع للجامعة العربية. - ولم يكن ملف العلاقات الخارجية أفضل حالا من سابقيه بل يمكن القول إنه كان المرآة المكبرة لإدارة أمور البلد بمزاجية متقلبة، فقد عر فت السنة 2011 سلسلة من الاخفاقات والتخبطات الدبلوماسية، غطى مجالها الجغرافي مجال علاقات موريتانيا الافريقية والعربية والأوربية؛ فقد اختار الجنرال عزيز الوقوف في المربع الغلط في الأزمة لايفوارية منحازا للوران اغباغبو الرافض لنتائج صناديق الاقتراع، وظل متمسكا بالعقيد القذافي طيلة عشرة أشهر قتل فيها العقيد السفاح عشرات الآلاف من الشعب الليبي الأبي وجرح وشرد أكثر من ذلك، وحتى بعد أن تخلت أعتى الديكتاتوريات العربية عن الشبيح بشار الأسد تطوع عزيز فبعث وزيره الأول – غير المثقل بالمهام – لزيارة بشار وايصاله رسالة تضامن في وقت ولغت فيه العصابة الحاكمة في سوريا في الدم السوري من درعا لإدلب. واليوم وقد غيرت نسمات الربيع وجه منطقة المغرب العربي ينخرط عزيز في تحالف غير مقدس مع جنرالات الجزائر، هدفه وقف مسار الربيع والحيلولة دون دون التحول الديمقراطي الحتمي في كل من الجزائر وموريتانيا، وهي المهمة المستحيلة التي لايمكن ان يفكر في تحقيقها أصلا إلا الجنرالات المعزولون عن نبض الأمة، الفارغة رؤسهم من دروس التاريخ وقوانين العمران البشري. - و يبلغ مشهد الانكشاف ذروته فيختتم العام بفضيحة منع أسرة موريتانية من حقها فى الحصول على جوازات سفر، ومنعها لاحقا حتى من تأشرة الدخول وهم تحمل – مضطرة - جوازات سفر دبلوماسية لدولة أخرى، وهو مشهد غير مسبوق في تاريخ الديكتاتوريات العسكرية الموريتانية التي يكتظ سجلها بأشكال غير يسيرة من الانتهاكات الجسيمة للحريات الفردية والجماعية للمخالفين السياسيين. تمثل الطريقة التي تم بها التعامل مع أسرة السيد المصطفى ولد الإمام الشافعي لحظة الذروة في مشهد الانكشاف الكبير؛ فقد عرت الوضع الأخلاقي الشاذ للنظام القائم، كما فضحت ضعفه الشديد حين ظهر مستنفرا مما يدفع للتساؤل عن أي تهديد يمكن أن تمثله سيدة محترمة واطفالها الصغار لنظام ملأ الدنيا قبل أسابيع بعرض عسكري بدا كما لو أنه تحول إلى قوة عسكرية عظمي.. في وجه الشعب طبعا. تلك لقطات من مشاهد عام الانكشاف الكبير أتوقع أن استعادتها وإعادة تركيب المشهد على أساسها تقدم صورة واقعية عن عوامل التعرية التى عرض لها النظام نفسه خلال سنة فتحول من " مشروع بطل " إلى حالة هزيلة مكشوفة كأن يوسف العظم يعنيها بقوله فخامته هزيل ليس يدري.. بأن الناس قد كشفوا هزاله.. أظنكم تفهمون الآن لماذا نحن اليوم أفضل.. نحن أفضل لأننا نقترب أكثر من لحظة مواجهة الحقيقة لأن تلك الجموع التى تم السطو على رؤيتها وجدت الفرصة لترى الامور كما هي، لقد زالت عنها الغشاوة وكما قال الكواكبي في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد فإن العامة " إذا ارتفع عنها الجهل وتنور العقل زال الخوف... وعند ذلك لابد للمستبد من الاعتزال أو الاعتدال " |
