| مصطلحات في مقاربات التلفزة الموريتاني |
| الأربعاء, 18 يناير 2012 09:01 |
|
لقد تابعت ببالغ الحزن والأسى مقابلة تلفزيونية في تلفزتنا الوطنية - التي أتمنى أن تكون مواكبة للقنوات الفضائية العالمية من حيث الشكل والمضمون ، وأن تكون وسيلة تعبير حر عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ، وأن ترقى إلى القدرة على استضافة المخالف كما تستضيف الموالي ، فلو كان من ضيوف حلقة (مقاربات إسلامية)من يمثل الرأي الآخر لكان ذلك أدعى لتنوير الشعب ، والوصول إلى الحق.
وهنا لا بد أن أنبه إلى أن فكرة صناعة الرأي العام بغير حجة شرعية واضحة أو عقلية منطقية لم تعد ممكنة في هذا العصر أي أن عصر التضليل الإعلامي قد ولى إلى غير رجعة والحمد لله ، بل إن مثل هذا الأسلوب يؤدي إلى نتائج عكسية ، وذلك لتعدد مصادر التلقي الحر في فضاء عالمي مفتوح ، تمثله القنوات الحرة المتزايدة ، ناهيك عن المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي -التي كانت أهم سلاح و أقواه في محاربة الظالمين وستظل . كانت تلك الحلقة بعنوان : (مقاربات إسلامية)مع أحد علمائنا المشهورين وأحد طلاب العلم المحضريهما: فضيلة الشيخ حمدا ولد التاه والأستاذ سيدي محمد ولد الشواف وفقني الله وإياهما لقول الحق كما أمر الله تعالى في قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه). كما لا يفوتني أن أنبه إلى أن (مصطلحات في مقاربات التلفزة الموريتانية) مأخوذة من كلام الضيفين الكريمين إما باللفظ أو المعنى وهي مسجلة يمكن الرجوع إليها. راجيا من الله تعالى أن أعرف هذه المصطلحات بموضوعية وأمانة ومنهج علمي متجرد يتفق مع منهج أهل السنة بما ينفع القارئ ويوضح الحق وأن يجعل ما أكتبه نصيحة خالصة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. أهل السنة : مصطلح يراد به على التحقيق من يصدرون عن مرجعية القرآن والسنة والإجماع ، وإن اختلفوا في بعض الأفهام بمسوغ معتبر، و هو اصطلاح مطرد ومنعكس. الفسق : الخروج عن الشرع ، والفاسق : من التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضها(المفردات في غريب القرآن للأصفهاني)،ويطلق الفسق في القرآن مرادا به الكفر كما في قوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الفاسقين)، كما ورد خاصا بأشد الكفر وهو النفاق في نحو قوله تعالى : (إن المنافقين هم الفاسقون)، فأي ذلك قصد الشيخ حفظه الله.
الطاعة : الانقياد و هي : قسمان محمودة ومذمومة.
المحمود منها: ما كان لله ولرسوله وللوالدين وللحاكم العادل لمن بايعوه وتعاقدوا معه على نصرة الدين والسعي لمصالح المسلمين فإذا وفى بما بويع عليه وجبت طاعته ووجب الدفاع عنه ، وإن لم يفعل ذلك أو كفر أو طرأ عليه فسوق جاز الخروج عليه لمن أراد إنكار المنكر وعلم من نفسه الصبر على ذلك لبيان النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) - رواه الإمام أحمد (4/315) والنسائي بإسناد صحيح كما قال المنذري في الترغيب والترهيب(4/272). والطاعة المحرمة المذمومة طاعة الكافرين (ولا تطع الكافرين)وطاعة الظالم والجائر في ظلمه وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (سيكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا" رواه مسلم. فدل الحديث على أن الإنكار لمن قدر عليه - حسب مراتبه - واجب شرعا ، وأن الإثم إنما هو على من رضي وتابع، أي أطاع وانقاد، وفيه ذم لمن يطيع ويتابع الظالم، وأن الواجب على من عجز عن المرتبتين أن ينحاز إلى الثالثة وهي الإنكار بقلبه والبعد عن الطاعة والمتابعة ، وهو أمر لا يعذر فيه مسلم لأن كل أحد يقدر عليه ولذا ورد في الحديث الآخر(وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). ويعظم الأمر في حق العلماء وأصحاب المكانة والرأي أكثر من غيرهم لأن التكليف على قدر التشريف. كما دل الحديث بوضوح على أن هذا الإنكار ليس هو الخروج وبذا يكون إطلاق الخروج عليه تحريف للنص.
السمع : هنا يراد به الفهم الموصل للطاعة أو المعصية ، فإذا كان الحاكم واجب الطاعة بما سبق يجب أن يقال له : (سمعا وطاعة في المنشط والمكره)، أما إن خالف موجب العقد أو فسق أو أمر بمعصية فالواجب أن يقال له بصوت عال: (لا سمع ولا طاعة) وهذا ما يفهم من فقهنا السياسي العالي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، ولقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : في أول خطاب راشدي: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم)مصنف عبد الرزاق. ومن طاعة الله الوفاء بالعقود وتكريم الإنسان وتحريم الظلم وتحقيق العدل بين الرعية والحفاظ على دين الأمة وأرواحها وأعراضها وأموالها ،فالحاكم ليس بتاجر بل هو راع في مصالح الأمة كلها. وانظر إلى قول عمر رضي الله عنه: ( من رأى في اعوجاجاً فليقومه) فقال له رجل: سنقومك ولو بهذا السيف، فأجابه: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم عمر ولو بالسيف. كما في شعب الأيمان للبيهقي بل قال : (لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها) كما في ترجمة ابن الجوزي لعمر رضي الله عنه. وقال أيضاً: إني لا أجد يحل لي أن آكل من مالكم إلا ما كنت آكل من مالي الخبز والزيت والخبز والتمر. كما في صفوة الصفوة لابن الجوزي1/28،والزهد للإمام أحمد: 124.
الخروج: المراد به الخروج المسلح على الحاكم العادل لمن بايعه، وهو بهذه الشروط حرام . أما الخروج بغير سلاح فليس من هذا الباب وإن كان على إمام عادل لكن صاحبه قد يكون على حق إن كان يريد رفع ظلم عن أحد ولو كان ذميا. ومنه خروج الفرسان على نظام ولد الطائع البائد لتخليص العلماء وتحرير المساجد وإصلاح التعليم والقضاء ، وإعادة الاعتبار للجيش الوطني بل للشعب عامة ووقف الهرولة تجاه أعداء الدين، وقد يكون غير جائز إذا كان بغير حق . وبذلك يتبين أن الخروج المسلح على الظالم الجائر بعد نصيحته واجب على من قدر عليه وهذا هو صنيع سلف الأمة بدءا بالحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وسعيد بن جبيرسيد التابعينومحمد ذي النفس الزكية وفقهاء العراق والحجاز-رضي الله عنهم جميعا- وقد أيد الإمام أبو حنيفة زيد بن علي وأيد إمامنا مالك محمد ذي النفس الزكية - رضي الله عنهم جميعا- كما أيد الإمام مالك بني أمية في الأندلس على بني العباس في العراق وراسلهم بذلك ، وأكتفي بنقل واحد في أعلى مراتب الفقه - أعني فقهنا معاشر المالكية - وإنما يؤخذ العلم من أعلى - كما قال الإمام الشافعي - رحمه الله - فقد نقل ابن عبد البر أن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - سأل الإمام مالكاً رحمه الله فقال : يا أبا عبد الله.. أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله عز وجل وحكم بغيرها - ولا يخفى أن أول قانون وضعي في بلاد الإسلام كان زمن التتار كما يقول ابن كثير أي بعد هذا الزمن بقرون - فقال مالك : "الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة" .. أي أن من كانت عنده قدرة وغلب على ظنه الظفر خرج وإلا فلا يلزمه الخروج . (انظر: الكافي في فقه أهل المدينة ( 1/463) بينما ينقله ابن رشد -رحمه الله- في المقدمات الممهدات - كتاب الجهاد- مبينا تلك القدرة وهي وجود أثني عشر ألف رجل مسلحين على قلب رجل واحد. هذا هو تحقيق مذهب أهل السنة ( وأئمة مذهبنا) وإن كان بعض فقهائنا يفضلون مذهب المتأخرين ففي الشرح الكبير للدردير -رحمه الله- ما نصه:(فللعدل قتالهم - أي الخارجين عليه - وإن تأولوا الخروج عليه لشبهة قامت عندهم ويجب على الناس معاونته عليهم ، وأما غير العدل فلا تجب معاونته . قال مالك رضي الله عنه : دعه وما يراد منه ينتقم الله من الظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما ). وهذا هو فقه غالب الصحابة والتابعين ، نعم وجد من الصحابة قلة لا يرون الخروج كابن عمر -رضي الله عنهما- وقد ندم على ذلك عند موته كما يقول القرطبي في التذكرة، وهو الذي سار عليه أغلب الفقهاء المتأخرين تمشيا مع فقه التكييف نظرا لما أصاب الأمة من هوان وضعف وقبول للخنوع ،وقد يكون لهم ما يبرر ذلك لكنه غير مقبول اليوم لأمرين:
الأول: مخالفته السنة ومنهج الدين.
الثاني : لنهوض الأمة واستشعارها بكرامتها وحقوقها مما يوجب على العلماء أن يكونوا في المقدمة ، ناهيك أن يكونوا عقبة في وجه التغيير.
ومع شيوع فقه التبرير والتكييف في العصور المتأخرة إلا أنه - والحق يقال- ظل في كل عصر من يرى مذهب المتقدمين كالشعبي والعز بن عبد السلام وابن تيمية وأبي بكر النابلسي ، وعبد العزيز البدري وسيد قطب وغيرهم كثير.وأنصح بقراءة كتاب الإسلام والعلماء لعبد العزيز البدري رحمه الله فقد استقصى فيه نماذج مشرفة من أولئك العلماء الذين صدعوا بكلمة الحق من العصر الأول إلى قبل استشهاده بيسير في القرن الماضي. بل يقول ابن عطية المالكي في بيان وجوب المشاورة والنزول عندها "الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب لا اختلاف فيه " انظر المحرر الوجيز 4/249. والعزل غير الانعزال لا يتم إلا بفاعل وفي ذلك رد على القول "إن الفسق والبغي والظلم، لا يجيزون للأمة عزل الحاكم عن منصبه لأن الأمن أولى من غيره ".كما جاء في تلك المقاربات.
الثورة: من الإثارة والتحريك ومنه(تثير الأرض) ، ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه : عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كـــــــــــداء يبارين الأعنة مصعدات على أكتافها الأسل الظماء والمراد بها خروج الطلاب أو النقابات أو الأحزاب أو الشعب للمطالبة بحقوق الناس أو لرفع الظلم . وبالمثال يتضح المقال كثورة الشعب التونسي، فالمصري فالليبي،فاليمني فالسوري فالبحريني ثم ما يستجد في الجزائر أو موريتانيا أو غيرها. والواجب في كل ذلك هو الحوار المنصف والاستعداد لقبول الحق والرجوع عن التمادي في الباطل وقد دلت التجارب السابقة أن المستكبرين لا يوفقون لذلك وصدق الله القائل : (إن الله لا يهدي القوم الظالمين). فإذا كان علي بن أبي طالب - الخليفة العادل- حاور البغاة المسلحين وجادلهم بالحكمة حتى أقنع أكثرهم فكيف بمن هو على الباطل وخصومه على الحق وليسوا مسلحين ولا يريدون إلا رفع الظلم والنهب .. البغي: عرفه العدوي بقوله : البغي مخالفة الإمام العدل. المظاهرة: مفاعلة ومعناها: المساندة والمناصرة والمعاونة مأخوذة من الظهر لقوته ، ومنه قوله تعالى : ( فإن تظاهرا عليه)،وهذا دليل على أنها قد تكون بحق وقد تكون بباطل كما هنا. وأول مظاهرة وقعت في الإسلام بعد إسلام عمر حين خرج يقود عددا من الصحابة وحمزة يقود مجموعة أخرى حتى طافوا بالبيت وقريش تنظر ولم تستطع الوقوف في وجههم(يراجع ابن هشام). والمظاهرة الثانية كانت في استقبال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وخرج فيها الرجال والنساء والصبيان بل كانوا يخرجون كل يوم حتى يرتفع النهار. وتلتها مظاهرة أخرى تحمل عبد الله بن الزبير وتسير به في الطرقات مكبرة مهللة لتغيظ اليهود حيث زعموا ن المسلمين لن يولد لهم. أما المظاهرة الرابعة فكانت نسائية محضة فقد روى أبو داود –في كتاب النكاح – من حديث عبد الله بن أبي ذباب وفيه : فطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم ). أما الخامسة فكانت استنكارا لقتل عثمان رضي الله عنه. أما السادسة فكانت في عصر التابعين حين ظلم مروان بن الحكم الحسين –رضي الله عنه- فخرج بسيفه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج معه بعض ابناء الصحابة بسيوفهم فعلم بذلك مروان فرد المظلمة. مما يوضح أن التظاهر ليس من فعل الخوارج والمعتزلة والشيعة، وليس بجنون ولا حماقة كما قيل وإنما هو من فعل الصحابة ، كما أن الخنوع والانقياد والسكوت على الباطل ليس مذهب أهل السنة. كما قال أحد الشيخين : "إن الخروج على السلطان هو منهج الخوارج، ولا علاقة لمروجيه بأهل السنة والجماعة ، وإن البعض يخادع الرأى العام بمثل هذه الآراء الغريبة".!! ولعله بهذا تبين أن التظاهر ليس منهج الخوارج بل هو مذهب أهل السنة والجماعة وأنه ليس بخداع للرأي العام وأن الآراء الغريبة هي خلاف ذلك.
الأمر: ترجع معانيه لغة إلى خمسة معان منها : معنى ( الفعل و الشأن )، وجمعه أمور عكس النهي ، ويجمع على أوامر. وجاء في القرآن الكريم - باشتقاقاته المختلفة- أكثر من مائتي مرة وتختلف معانيه حسب السياق من ذلك : الوعد، والشأن والدين ومن الأخير قوله تعالى : (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)، (فلا ينازعنك في الأمر)، (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به).
أهل الأمر: أهل العقد والحل من العلماء الربانين ورجال السياسة والجيش والمال والوجهاء الوطنيين الذين يسعون لمصالح الدين والأمة .
التغلب: هو نزع السلطة والوصول إليها بالقوة العسكرية كما فعل الرئيس محمد ولد عبد العزيز بانقلابه العسكري . وذكر الشيخ أن هذا التغلب -عند أهل السنة- موجب للطاعة بإطلاق. وهذا الكلام بإطلاقه غير مسلم ، وإنما تجب طاعة المتغلب إن كان عدلا ، أما إن كان غير عدل فلا تجب طاعته وإن توقف الخروج عليه على القدرة على ذلك ، هذا هو مذهب الإمام مالك كما سبق موثقا. أما القول بوجوب طاعته ولو كان فاسقا وأن ذلك هو مذهب أهل السنة فلا أدري عن أي سنة يتحدثون؟ وهل نحن الآن سنتحول من مصطلح المالكية والأشعرية إلى هذا المصطلح الجديد لنبحث عن من يقول بذلك من مذهبي الحنابلة والشافعية لنخرج عن مذهب الإمام مالك في هذه الحرب القادمة التي يستعدي فيها الشيخان النظام على العلماء والدعاة بالأمر بجرهم بلحاهم إلى السجون ، حسبما ذكرا وليس ذلك نصحا للدين ولا للحاكم ولا للمسلمين كما يقرر عالم الاجتماع ابن خلدون حيث يقول : ( إن الملك اذا كان قاهرًا باطشًا بالعقوبات منقبًا عن عورات الناس تسلمهم الخوف والذل ولاذوا بالكذب والمكر والخديعة فتخلقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم وربما خذلوه في مواطن المدافعات .. ففسدت الحماية بفساد النيات).المقدمة. ط دار الشعب . تحقيق د. علي عبد الواحد ص 169،هذا إذا خنعوا وأطاعوه،أما إذا غالبوه وصبروا فإنهم سينتصرون عليه وفي تلك الحالتين هو الخاسر الأول . معنى التأمر في حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - عند أبي داود والترمذي وفيه : (وإن تأمر عليكم عبد حبشي)،معناه التغلب ، لكن لا دلالة فيه على ما ذكر لأنه من قبيل الأمر القدري لا من قبيل الأمر الشرعي (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) فالشرعية لا تنال بالإكراه وإنما تنال بالرضى والتراضي والمتغلب صلاحيته محدودة ريثما يول الأمر أهله أو تتمكن الأمة من إزالته ،فهي طاعة مؤقتة ومشروطة بما سبق ، ومثله إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن تولي الرويبضات أمر العامة، وعن وجود علماء مضلين وعن وجد قوم يستحلون الربا والزنا ونحو ذلك. أولا يعلم الشيخ حفظه الله أنه بهذه الفتوى سيرجعنا إلى مراحل سابقة من الانقلابات فهو يشرع بهذا لانقلاب جديد ولا يخفى أن الجيش جزء مهم من الشعب يتألم لآلامه ويتأثر بما يصيبه ولم ولن يقف في يوم من الأيام في الصف المعادي للشعب ، فهو ليس جيشا للرئيس كما هو الحال في ليبيا وسوريا ولعل الشيخ لم يدرك خطورة مقالته تلك،ولاسيما أنه وعد الانقلابيين الجدد بموالاتهم والفتوى بوجوب طاعتهم.
الموالاة : في الأصل من الولاء ومعناه المحبة والقرب والطاعة قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدّة(ومنها حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-: (مَن عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب) وفي رواية: (فقد استحل محاربتي) وفي رواية أخرى: (فقد بارز الله بالمحاربة) وأصل الحديث فيالبخاري وتنظر الزيادات في فتح الباري وغيره. ولا تكون الموالاة السياسية بإطلاق إلا للحاكم العادل ولا يكون ضدها(البراءة التامة) إلا للكافر المحارب قال تعالى: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ). -جاء في الحلقة (لنا قوتهم وعليهم فسقهم)وهو أثر موقوف وعلى فرض صحته فهو اجتهاد صحابي يخالفه اجتهاد صحابة آخرين في عدم جواز تولية الفاسق مطلقا، ومع ذلك لا يخفى على مشايخنا الأجلاء الفرق بين أن يولي العدل فاسقا ولاية محدودة يمكن أن يستفيد من قوته وتميزه في أداء مهمة خاصة فإما أن يصلح فيبقيه أو يخطئ فيعزله ، أو أن يكون الفسق متعلقا بالحاكم العام نفسه لما في ذلك من مفاسد كبرى ورحم الله أبابكر ابن العربي حين استنكر ذلك وقال : ومن العجب أن يجوز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دين .(أحكام القرآن4/124). ومن أغرب ما ورد في الحلقة احتجاج الشيخ حمدا - حفظه الله- بفعله - في تأييد الحكام السابقين واللاحقين- فإذا كان العلماء مختلفون في فعل الصحابي والراجح عندهم أنه ليس بحجة فكيف إذا كان مخالفا لفعل الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما سبق. وأخيرا إن من واجب العالم أن يقول الحق للجميع وأن يبدأ بالحاكم فيذكره بمسؤولية الحكم وخطرها و(إنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها)رواه مسلم ، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) مسلم كما أن على الجميع من علماء وحكام وشعب مسلم أن يعلموا أن تحقق نصر الإسلام وسيادته وقيادته أمر محتوم لا محالة فمن شاء أن يكون جزءا من ذلك فليقف مع الحق والعدل ومن شاء أن يكون من معارضه فليختر لنفسه ما شاء وهذه حقائق أثبتها القرآن والسنة وتحققت على ارض الواقع في الماضي في زمن يسير . ومؤشرات ومبشرات تحقيقها مرة ثانية بادية في الأفق لكل ذي عينين. وصدق الله القائل: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا) سورة الفتح. وقال: "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون" سورة التوبة وقال : "إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون" سورة الأنفال. وعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها…"رواه مسلم برقم -2889. وعن حذيفة-رضي الله عنه-: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكًا جبرية ، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" رواه أحمد4/273. فالعاض ما كان بعد الخلفاء الراشدين (أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن –رضي الله عنهم- وانتهت بتمام الثلاثين ولا تتم إلى بعد الأشهر الستة التي تولى فيها الحسن ، ولذا لم يتم الأمر لمعاوية –رضي الله عنه- إلا بعد تنازل الحسن ، وبدأ الملك العضوض أو العاض في دولة بني أمية وانتهى بدولة بني عثمان، والجبري ابتدأ بأتاترك وانتهى بزين العابدين ومبارك والقذافي ومن على شاكلتهم ، والأمة تنتظر تحقق الوعد ويتوقف ذلك على استكمال أسبابه. والملاحظ أن الخلافة الراشدة القادمة ليست على منهاج الخلافة الراشدة السابقة بل هي على منهاج النبوة مباشرة. ولعل ذلك إشارة نبوية إلى اختلاف نوع الحكم وآلياته فهل ستكون اتحادا برلمانيا أو نحو ذلك. المهم أن يتحقق العدل ويرفع الظلم وتقام الشرائع وتعظم الشعائر. وأخيرا فإن رسالتي إلى الشيخين الفاضلين أن يتذكرا تلك الحقائق كما أذكر نفسي وإياهما بقول الحق تبارك وتعالى: (الّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاَتِ اللّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّهَ وَكَفَىَ بِاللّهِ حَسِيباً) وبقول الله تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام- : (قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىَ)وقوله سبحانه: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَىَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاّ الْحَقّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدّارُ الاَخِرَةُ خَيْرٌ لّلّذِينَ يَتّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). جعلنا الله من أنصار الحق والدين وجنب بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وجمع كلمتنا على التقوى والعدل والرشاد. وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين. د.مولاي إسماعيل ولد الشريف 18/2/1433هـ الموافق 11/1//2012
|
