| دبلوماسيتنا في يومين |
| الأحد, 22 يناير 2012 12:41 |
|
سنعود مع دبلوماسيتنا إلى أمسنا يوم كنا شنقيط لنصبح علي يومنا ونحن موريتانيا، علنا نستقرئ غدنا. يوم كنا شنقيط كنا محمولين في صدور الرجال علما وحكمة فكنا إشعاعا ثقافيا أضاء ظلمة الجهل وأنار الطرق أينما حل حاملوه، من أدغال إفريقيا إلي قياصرة أوربا مرورا بالمشرق الإسلامي، كان العلماء الشناقطة سفراء معتمدين في حلهم وترحالهم، بغزارة علمهم وجزالة شعرهم يبهرون العدو قبل الصديق، ويرسمون أزهى اللوحات لمنكب برخي، لم يؤت بسطة في الرزق بقدر ما بسط لأهله في العلم فكان منا محمد محمود ولد التلاميد، ولمجيدري ولد حبيب الله واحمد ولد الامين صاحب الوسيط، ومحمد المختار الشنقيطي أصحاب أضواء البيان وغيرهم من فطاحلة العلماء. فيوم أفتي أمير مكة بتبعية شنقيط للمغرب ،وجد أمامه ولد التلاميد مقرّعا لحجته عند السلطان العثماني بالبينة والبرهان فردّت الفتيا علي صحابها، وبقيت شنقيط علي شنقيطيتها. وذاك أحمد ولد الامين يؤلف كتابه الوسيط في القاهرة إملاء من ذاكرته ليجعله واسطة تعرف الشرق بعلماء شنقيط وأهلها. وهذا المختار ولد حامد، يبدع في حياة موريتانيا من أدغال إفريقيا غيرة على شنقيط من سخرية شرقية، لا ترى في الشعث الغبر القادمين من الضفة الشمالية لنهر صنهاجة دلائل لحياة، غير حياة البؤس والشقاء، والبعد عن الحضارة البشرية، كما كان لحجاجنا الميامين، صولات في التعريف بدين الله، وفتح قلوب وثنيي إفريقيا بالحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، فدخلت إفريقيا في دين الله دون أن تراق قطرة دم واحدة. فاهنأوا بما قدّمتم وانعموا في جنان الخلد ولا تؤاخذونا بما نحن عليه في يومنا ونحن موريتانيا. رغم أن بداية موريتانيا أتت بعد استعمار فرنسي قبيح ،حاول تحطيم البنية الثقافية لشنقيط وقطع الآصرة بين حاضرها وماضيها، لكنه أهدي لنا الجيل المؤسس، واضع اللبنة الأولي للجمهورية الإسلامية الموريتانية، جيل استبدل ضعف الإمكانات وشح الموارد بقوة الإرادة و الروح المهنية الخلاقة، واستغلال الموروث الثقافي لشنقيط كأساس للعلاقات الخارجية للدولة الوليدة، ففي المعركة الأولى، معركة الاعتراف كانت كاريزمية الرئيس المختار ولد داداه هي السلاح الناعم الذي اخترق جدران العزلة المفروضة علي الدولة الفتية والذي تولت كبره بعض الدول الشقيقة، وهكذا ستتوالي الاعترافات الخارجية بدءا بالمنظمات الدولية والإقليمية ثم الدول المعترضة أصلا علي وجود موريتانيا كدولة. وهي اعترافات بجيل وعطائه أكثر منها اعتراف بدولة لمّا تبلغ الحلم بعد، وعطاؤها بمعايير العلاقات الدولية لا يؤهلها للاعتراف، لكن سرعان ما أثبت الجيل الجديد أحقية موريتانيا في تبوؤ مكانتها على المستوى الدولي فكانت الوقفات الشجاعة للرئيس المختار ولد داداه إلى جانب حركات التحرر وحمل هم القضية الفلسطينية، ودعم كل القضايا العادلة للمستضعفين الأفارقة. وقد سجلت هذه النصرة ليلة اعتذار الرئيس المختار عن حضور حفل عشاء منظم من قبل الرئيس الأمريكي نيكسون بسبب إهانته للرئيس الزامبي. مثل هذه الواقفات جعلت الدولة الموريتانية تمدّ أغصانها الي الخارج قبل تقوية جذور الدولة في الداخل، وجعلت من دبلوماسيتنا مستشارا لدولة الصين العظمى. يوم أقحم موريتانيا في حرب رغم غايتها النبيلة لكن الوسائل المستخدمة لم تك علي مستوى حرب مسرحها صحراء شاسعة وتدار رحاها من قبل القوي العظمي في المنطقة، وهي بهذا حرب خاسرة، حتي وان ربحنا بعض معاركها. ولأن سفيننا في هذه المرحلة ليس له شيء من أمره، تعاقبت عليه أجيال من القراصنة الهواة، تعشق الإبحار في المجهول علي غير بينة من أمرها، فلا هي أبدعت فرسمت مسارا لسياستنا الخارجية علي غير المثال السابق ولاهي قلدت فاتبعت سالفها، تردم حفره فتنجو وتسير بنا إلى بر الأمان، فكانوا بحق أسوأ خلف لخير سلف، بل هم الخلف المضيع. فإلى متى ونحن تائهون ؟ هل سنبقى ونحن الأعزة أحفاد الشناقطة نقتات علي موائد الجيران؟ هل من يوم جديد نصبح فيه علي بينة من أمرنا مهديين هادين كما كنّا؟ وأهمس لسكان المجرات، الإخوة في النجوم، أن عودوا إلى ثكناتكم فحتى وإن بدّلتم زيّكم العسكري فقد جبلتم علي العسكرة وقواعدها الفيزيائية، فقرع نعالكم الخشنة يصم الآذان وغبار حركاتكم لا تسعه إلا ميادين الشرف، وقد قلدناكم وسام شرف الدفاع عن الوطن فلا تنزلوا أنفسكم بأنفسكم إلي خبث السياسة ومكر أهلها، فالشرف لأهله والخبيثة للخبيثين، فاختاروا أي المنزلين ترتضون. ففي زماننا هذا ما لسكان المنطقة الرمادية من قرار، فقد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. همس آخر، ودعوة إلى قومي للنجاة، فكما تكونون يولّى عليكم، ولن يغير الله ما بكم حتى تغيروا ما بأنفسكم. |
