| لو لم يكن بدر نجل الرئيس ؟ |
| السبت, 28 يناير 2012 08:48 |
|
لا تسعى هذه المعالجة السريعة للغوص بعيدا في دلالة تورط نجل الرئيس في جريمة من هذا القبيل، ولا في الطريقة التي انتهى بها المشهد بل إنها تريد أن ترى الصورة من زاوية مختلفة من خلال البحث عن إجابة واقعية جدا للسؤال المطروح على أكثر من لسان ما ذا لو لم يكن بدر نجل الرئيس كيف كان سيكون مساره أمام الشرطة وأمام القضاء، وما ذا لو كانت الرصاصة التى استقرت في صدر رجاء لم تخرج من فوهة مسدس كاتم للصوت مملوك لنجل الرئيس ؟؟؟ دون أي مبالغة أو تشف وتأسيسا على وقائع معيشة يعرفها كل موريتاني يبدو لي أن الأمور كانت ستسير على النحو التالي: سيعتقل الشاب المتهور من طرف الشرطة فور وصوله للمفوضية معترفا بجرمه وسيتعرض على الراجح لصفعة قوية على الوجه، وستجعل الأغلال في يديه وقدميه ويربط في سارية من سواري المفوضية تحيط بها الروائح النتنة، من كل جانب ويحرسها من كل جهة شباب جانحون بعضهم معتقل في حالة سكر، وبعضهم معتقل على خلفية النشل، والبعض الآخر على خلفية شجار عائلي مع أسرة مفككة.. سيكون على بدر أن يمضي بهذه الحالة أياما عديدة على دون أن يجد المفوض وقتا للنظر في قضيته وفتح ملفه، وسيكون عليه في هذه الأيام أن يعرف كيف يمضي ليله مع " الناموس" ويومه مع السب والشتم والاحتقار " وعندما يقرر المفوض أن يفتح الملف نتيجة ضغط قد يأتي من نافذ اجتماعي تستطيع والدة بدر أن تصل إليه بعد أيام من التوسط بأطر القبيلة وجيران الحي سيكون التحقيق فرصة لوجبة جديدة من وجبات الاحتقار والإهانة والصفع ربما. بعد أيام أو أسابيع يحال الملف إلى النيابة العامة ليودع بدر في السجن وهناك سيصبح رقما ضمن مئات الأرقام المكدسة في انتظار قاضي التحقيق حينا وفي انتظار المحاكمة أحيانا أخرى، وسيجد بدر في استقباله في السجن مئات الشباب " المنسيين" ميسرة لهم أبواب جميع الانحرافات، وهم اللذين يفترض أن يكون السجن بالنسبة لهم مدرسة لإعادة التأهيل. إن كان بدر محظوظا، واستطاعت عائلته أن تأتي بيوت القضاء والسلطة من أبوابها المالية والاجتماعية فربما تتم برمجة المحاكمة خلال عام أو عامين و يكون الحكم مخففا أو مشددا حسب قوة الضغط أو استقلالية القاضي الذى يتولى البت في القضية لكن ذلك لايعني أنه سيجد بالضرورة طريقه للحرية فقد يمكث سنوات عديدة في السجن بعد استكمال فترة العقوبة لينضم إلى عشرات" المقيمين بطريقة غير شرعية في سجون رئيس الفقراء المكتظة. أما قصة ضحية بدرالسيدة رجاء لولم يكن "بطلها" نجل الرئيس فربما كانت فصولها مختصرة عندما تصل إلى بوابة الحالات المستعجلة في وقت متأخر من الليل وهي في حالة حرجة لن تجد على الراجح أي مداومة وإن وجدتها سيكون على من يرافقها أن يقوم بإجراءات طويلة قبل أن تدخل إلى غرفة الاسعافات الأولية، وعندما تنتهي تلك الإجراءات البطيئة تكون الضحية قد لفظت أنفاسها، إن كانت محظوظة، أما إن لم تكن كذلك فسيكون عليها أن تنتظر ساعات طويلة وربما أياما عديدة قبل أن تبرمج لها العمليات اللازمة، وبكل تأكيد سيكون أمرا معتادا جدا أن يتأخر إجراء العملية بعد البرمجة يوما أو يومين أو أسبوعا أو أسبوعين مرة لعدم وجود المخدر، ومرة لنفاد مادة ما من المواد الأساسية ومرة لأن هناك حالات أكثر استعجالا – وأكثر استعجالا هذه كثيرا ما تحيل إلى أكثر نفوذا. إن كان في عمر السيدة رجاء بقية سيكون على أسرتها أن تتعود على السكن في أزقة المستشفى الوطني، وعلى دفع الرشى يمنة ويسرة لكل من يقدم أي خدمة أو يتأخر عن تقديمها، وبكل تأكيد ستضطر الأسرة المكلومة مهما كان عوزها أن تدفع كل يوم تكاليف باهظة مقابل تلك الخدمات الرديئة، وتلك الوجوه الكالحة التي تضن عليها حتى بابتسامة أو كلمة طيبة. ليس في الصورة الأولى أي تكلف ولاتزويق بل هي مجرد سرد لحال مرفقين من أهم مرافقنا هما مرفقا العدالة والصحة، أردت أن تكون قضية بدر رجاء فرصة لتسليط الضوء عليها عسى أن ننتفض في وجه ما نعانيه في هاتين المؤسستين من ظلم واحتقار. إن قصة بدر رجاء تمثل فضيحة أخلاقية للنظام السياسي ليس لأن ابن الرئيس تورط في جريمة من هذا القبيل - فذلك أمر شخصي يجوز في حق ابن أي شخصية عامة أو خاصة - بل هي فضيحة لأنها أوضحت إلى أي حد نحن بعيدون من مبدأ المساواة أمام القانون والمساواة حتى أمام الحق فى العلاج والحق في الحياة، فبدر لأنه نجل الرئيس أمضى ساعات طويلة محتميا بالقصر من الاعتقال، وعندما اعتقل كان في معتقل " خمس نجوم" وسريعا أحيل الملف للنيابة، ومنها عاد إلى القصر، أما المراهقون اللذين ليس لهم نسب مع القصر أو النفوذ فمنهم من يوجد في السجون منذ سنوات فقط لأنه متهم ربما بنشل خمسمائة أوقية... ورجاء لأنها ضحية نجل الرئيس حظيت بعناية فائقة ونقلت على حساب القصر إلى المغرب في طائرة خاصة، أما بقية مرضى وجرحى موريتانيا ممن لم يسعفهم الحظ أن تكون إصابتهم على يد بدر فهم مكدسون في المستشفيات دون أي رعاية بل حتى دون أي معاملة إنسانية لائقة. هذه هي موريتانيا اليوم بعد سنوات من حكم الجنرال محمد ولد عبدالعزيز الذى أطلق رصاصة من مسدسه الكاتم على تجربتنا الديمقراطية... وعندما ارتفعت الأصوات محتجة نقلت الضحية في طائرة خاصة إلى دكار، وأطلق سراح المتهم الزعيم ليعود إلى القصر بسيارته الفارهة ومسدسه الكاتم للصوت تماما كما عاد بدر قبل يومين.. أرأيتم إذا أن بدر لم يفعل أكثر من تقليد والده "ومن يشابه أبه فما ظلم". |
