قضية أزواد .....جذور المشكلة و آفاق الحل
السبت, 04 فبراير 2012 10:03

عمار ولد سيد محمد البربوشي

    تعتبر قضية أزواد إحدى القضايا المستعصية على الفهم بالنسبة للكثيرين لعوامل عدة سنذكرها  في سياق هذا المقال، هذه القضية تقض مضجع السياسيين و العسكريين في منطقة الساحل و الصحراء بل تحولت أخيرا إلى مشكلة ذات طابع دولي بعدما اتجهت إليها الأنظار في إطار ما يوصف بالحرب على الإرهاب فما جذور المشكلة و ما آفاق الحل؟

ازواد هي المنطقة الشاسعة الواقعة في قلب الصحراء الكبرى و تضم حاليا ثلاث ولايات هي تمبكتو و غاوه و كيدال و تقع في منطقة شمال مالي، تاريخيا لم تخضع منطقة أزواد قبل الاستعمار الفرنسي لاحتلال مباشر من أية قوة استعمارية بل ظلت دوما تدار عن طريق إمارات قبلية و تتبع من حين لآخر و بطريقة غير مباشرة لإدارة أجنبية (على سبيل المثال مملكة سونغاي والسلطنة المغربية).
يتشكل المجتمع الأزوادي من قبائل عربية في الجهة الشمالية و الغربية  من مالي حاليا و قبائل طارقية في الشمال و الشرق بالإضافة إلى مجموعات من السونغاي والفلان يقطنون في المنطقة المحاذية لنهر النيجر،جميع مكونات هذا الشعب كانت تعيش وفق نظام سياسي و اجتماعي يراعي خصوصيات كل فئة و يتوافق مع أحكام الدين الإسلامي الحنيف الذي ارتضاه الأزواديون منذ الفتوحات الإسلامية.
و شكل الاحتلال الفرنسي نقطة تحول مفصلية في تاريخ أزواد التي شكلت حلقة وصل بين إحدى أهم مستعمراتها في إفريقيا (الجزائر) في الشمال و السودان الإفريقي في الجنوب (مالي والنيجر) ، فكان لا بد من إخضاعها تحقيقا لهذا الهدف و تشكلت خلايا مقاومة دينية وثقافية  للمحتل الذي عمل على إخضاع السكان بالترغيب أحيانا و بالترهيب أحايين أخرى إلا أن عادات و قيم هؤلاء ظلت موضع تقدير و احترام من طرفه.
لم تعر فرنسا أي اهتمام يذكر لتنمية هذه المنطقة و هو ما كان له أكبر الأثر في مستقبل هذه المنطقة وترك بصمات على منحنى الأحداث فيها، فبعد جلاء آخر جندي فرنسي من أرض أزواد عام 1960م  شكل الأزواديون مع جيرانهم في الجنوب "الجمهورية السودانية" ظنا بل يقينا منهم أنها ستكون دولة الجميع تحظى كل مكونات الشعب بنفس القدر من الرعاية و التنمية و التعليم وحضور للهوية العربية ورديفتها الطارقية بما يتناسب مع حجمها الحقيقي و ثقلها الاجتماعي و الجغرافي.
لكن الأمور لم تسر في هذا الاتجاه، فمنذ اللحظات الأولى لمولد هذه الجمهورية التي تم تغيير اسمها دون تشاور أو نقاش إلى "مالي" اتضح جليا أن حكومة الجنوب ماضية في نفس سياسات المستعمر السابقة فقد عمدت إلى تهميش الأزواديين وحرمانهم من مقومات البقاء وفق مخططات يبدو أنها كانت جاهزة ومرتب لها مسبقا و هو ما دفع الأزواديين إلى الإحساس بالغبن نتيجة لذلك، الأمر الذي حتم عليهم النضال مجددا من أجل إعادة الأمور إلى نصابها ، وبدل أن تنصت حكومة باماكو لصوت المنطق و الحكمة شرعت أول حكومة عسكرية بوضع المنطقة تحت رحمة قانون للطوارئ مازال ساري المفعول إلى الآن في أزواد استثناءا من جميع البلاد وواجهت المطالبات السلمية بالعنف و الإرهاب و تنكرت بذلك لكل ما تم الاتفاق عليه و قلبت لهم ظهر المجن.
لم يكن بدٌ حينها من أن تتعالى أصوات المثقفين و الأعيان و تشتد مطالباتهم بنظام أكثر عدلا و حكمة يولي منطقتهم بعض الاهتمام و انتهت المطالبات بثورة شعبية عفوية عامين بعد الاستقلال وما لبثت أن انتهت بفعل الضغوط التي مارستها دول الجوار على قادتها الشباب و لوعود بالتنمية قطعتها حكومة موديبو كيتا على نفسها.
انتهت الثورة المسلحة لكن السكان بدأوا يدركون حقيقة نوايا الأنظمة المتعاقبة بأنها لا تريد تنمية لمنطقتهم و لا تنشد سلما و أمنا اجتماعيا بل تستهدف كل ما يمت لهم بصلة من عادات و تقاليد ثقافية و تعمل جاهدة على طمس هويتهم و ساعدها في ذلك انتشار الأمية بين صفوف السكان المحليين و تغييب المثقفين على قلتهم عن المشهد السياسي و الثقافي.
هذه السياسات أدت بالضرورة إلى تفاقم معاناة الأزواديين أهل البدو منهم و أهل الحضر خاصة بعد موجة الجفاف التي شهدتها المنطقة و التي كانوا المتضرر الأكبر منها وخلق بيئة ملائمة لقيام ثورة ثانية عام 1990م على هذا الوضع المرير اختلفت عن سابقتها كما و كيفا،ورغم الإمكانيات المحدودة للثوار الأزواديين فقد انخرطوا في حركات مسلحة كانت مجمعة على ضرورة اعتبار التواجد الحكومي المالي نوع من الاستعمار وإن تباينت هذه الحركات في انتماءاتها إلى عربية وطارقية لتترك  الباب مواربا لأي نقاش حول مصير الإقليم، استطاعت هذه الحركات مقارعة القوات النظامية المالية و تكبيدها خسائر فادحة التي لجأت بدورها إلى الانتقام من السكان و ارتكاب فظائع كثيرة في حقهم و هو ما ذكرته تقارير الأمم المتحدة و منظمات حقوق الإنسان ذي الصلة --على علَاتها- ، و جنح الجميع للسلام نزولا عند رغبة بعض الوسطاء كالجزائر و فرنسا وبعدما اعترفت حكومة باماكو بقصور سياستها تجاه الأزواديين و تم إبرام عدة اتفاقيات لم يكتب لها النجاح بفعل التعنت المالي نذكر منها اتفاق تمنراست 1991، وميثاق باماكو 1992 و اتفاق الجزائر 1994.
منذ عام 2000م شهدت المنطقة تدهورا خطيرا حيث تحولت فجأة و بفعل فاعل إلى مرتع لتهريب المخدرات و تجارة الأسلحة و اكتمل المشهد الدرامي بوصول جماعات إسلامية مسلحة عرفت فيما بعد ب"تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي"، هذا الوضع غير المستقر دعمه و رعاه النظام في  مالي حيث شكل له رافدا ماليا مهما هو في مسيس الحاجة إليه حيث تلقى مساعدات عسكرية ومالية سخية من الدول الغربية في إطار حربه على الإرهاب ليكتشف المجتمع الدولي - و إن بعد لأي- أن هذه الحكومة غير جادة في حربها على الإرهاب بل على العكس من ذلك ترعاه و تحتضنه وما ذكرته وثائق ويكيليكس هو غيض من فيض من حقيقة الأمر.
منذ 17 يناير الماضي دشنت الحركة الوطنية الأزوادية مرحلة جديدة من الصراع  ضد التواجد الحكومي المالي في منطقة أزواد بعدما تحول الإقليم إلى ثكنة عسكرية بحجة أن المقاتلين القادمين من ليبيا يريدون زعزعة الاستقرار فيه ، ولم تتوان الحكومة المالية في وصف ما يحدث من مطالبات بحق تقرير المصير بأنه ثورة على "جمهورية مالي الموحدة" تدعمها القاعدة في المغرب الإسلامي  وهي حجة لم تلق القبول من الشركاء في الحرب على الإرهاب و اسطوانة مشروخة لم تعد تنطلي على أحد وهو ما دفعهم إلى اتخاذ موقف متفهم حيال ما يجري.
الكل أصبح يدرك حقيقة أن الأزواديين وحدهم من يملكون مفتاح الحل  وأن المشكلة تكمن في أن دولة مالي ما زالت تحاول يائسة التكسب من وراء تدمير منطقة أزواد و تحويلها إلى مصدر لاستعطاف الدول الغربية في حربها ضد الإرهاب.
بعد أن يئس الأزواديون من استحالة العيش المشترك مع جيرانهم في الجنوب  تتلخص مطالب الحركات السياسية و العسكرية المختلفة في أزواد فيما يلي:
-    المطالبة بالاستقلال التام لأزواد من أجل تنمية اقتصادية وسياسية شاملة لشعبه اعتمادا على المقومات البشرية و الطبيعية التي يزخر بها.
-    مطالبة هذه الحكومة بالاعتذار للشعب الأزوادي عن ماضيها الاستعماري و ضرورة التعويض العادل عن الانتهاكات الجسيمة في حق الإنسان الأزوادي
-    المحافظة على المكتسبات الموجودة في منطقة أزواد ويتحمل ممثلو الشعب بموجب مسؤوليتهم ما قد يترتب على الاستقلال من نتائج مع احترام المواثيق والاتفاقيات الموقعة التي تخص أزواد.
-    تصحيح الصورة النمطية الشائع عن أزواد ورد الاعتبار للهوية العربية ورديفتها الطارقية للشعب الأزوادي  
بهذا تكون دولة مالي قد مهدت لعلاقات صداقة واحترام بين الشعبين ويتحمل الأزواديون مسؤولية مواجهة كل ما يهدد الأمن والسلام في المنطقة وهم الأقدر على ذلك.
ومما سبق يتضح جليا أن مشكلة أزواد هي مسألة شعب ناضل في سبيل تحقيق مطلبه بالعيش الكريم والرفع من مستواه الاقتصادي والاجتماعي للحصول على اعتراف بحقوقه المسلوبة.

قضية أزواد .....جذور المشكلة و آفاق الحل

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox