قصة العبد والسيد
الثلاثاء, 07 فبراير 2012 13:28

 

يحكي في سابق الزمان عن مملكة الحيوان  أن صيادا أصطاد صيدا توهم أنه ظبيا وأراد أن يذبحه ويطعمه أهله أو يحمله إلي أطفاله ليلهوا  به ، توسل الصيد للصياد أن يطلق سراحه فهو ليس ظبيا وإنما حيوان ناطق مثله وله أولاد صغار لم يعودوا يستغنون عنه ... فقال الصياد رغم الشبه بيني وبينك فلن أستجيب لتوسلك ....، بينما الصياد يخرج مديته هرب منه الحيوان الناطق هذا ، فحاول اللحاق به فلم يستطع فهو مثله تماما يمشي علي قدمين وله كل صفات خلقة  الصياد ،  فناداه  الصياد الذي بدي عرقه يتصبب ويكفكف لعابه ، لنعقد صلحا فرد عليه ما هو ؟ فأجابه الصياد سأذبحك وأطعمك أولادي، وسأملأ جلدك ذهبا وأعطيه لأولادك ، فأجابه ، دع الذهب لأولادك ودعني لأولادي ، فأريد أن أربيهم بكدي وجهدي ولا يريدون ذهبك.

  تذكرت هذا القصة بعد قراءتي لمقال محمد بن المختار الذي عنونه : عزيز ومسارات النهاية. فقد كنت دائما أقرأ لهذا الكاتب مع تحفظي علي بعض آراءه ، لكني توقفت عند هذا المقال لإستبيان ما بين سطوره ، وعلي الخصوص أمام  الفقرة التي يبدو أنها زبدة المقال ، تلك الفقرة التي يقول فيها إن الحراطين القوة الضاربة و يفصح  فيها عن المقولة الشعبوية : لا ثورة من دون الحراطين ، أو العبيد السابقين كما يسميهم البعض أو العبيد الحاليين كما يفهم من مقال محمد بن المختار،عبيد  من خلال المهمة التي يريدهم لها.

 لن أناقش بهذا المقال ضرورة الثورة ومصوغاتها عند دعاتها ولا حجج الرافضين لها للخصوصية التي يرونها في موريتانيا وحساسية ما يهدد الأمن بها، وإنما سأناقش الدور المراد للحراطين القيام به لأجل " الثورة " .

أراد الكاتب أن يذكرنا بمعاناة الحراطين كشريحة محرومة قائلا " تعتبر طبقة الأرقاء السابقين (الحراطين) أكثر طبقات المجتمع معاناة اقتصادية واجتماعية وهي من أكثرها نموا ديمغرافيا في الوقت ذاته ، فإذا انخرط  الحراطين بكثافة في حراك اجتماعي منهجي فإن ذلك سيكون من أقوي أسباب نجاح الثورة " ويواصل مفكرنا الكاتب موبخا حاملي هموم الحراطين  قائلا : إن حركة الحر تشهد شبه انشطار وفق تقييمه ناصحا بدعم القادة الشباب للحراطين الذين لم يتلوثوا وفق تعبيره بلوثات التملق السياسي ويتابع " فإذا ترجحت كفة هؤلاء الشباب في قيادة هذه الطبقة الاجتماعية وانفتحوا بخطابهم وحراكهم علي القوي الاجتماعية والسياسية الأخرى فسيكون ذلك ترجيحا قويا لكفة التغيير الثوري في موريتانيا ,"

لقد هالتني هذه الفقرة من هذا المقال ، فقد كنت أعتقد أن الموريتاني إذا درس بأمريكا وعايش الحضارة الغربية عن قرب ، وأقام بغرة الخليج العربي قطر، ، سيكون بوسعه أن يضيف إضافات لبني وطنه تحترم الفرد والجماعة وتجل الشرائح ولا تهينها  ويحترم الإنسان ويقدره حتى وإن كان من فئة " الحراطين ". وأنه من خلال معايشة الآخر يستطيع التخلص من إرثه الحضاري الذي لا يتماشي ومستوي الوعي الحضاري لدي الغرب ، أم أن صاحبنا عاني ويعاني من ازدواجية النظرة للأمور خلال مقامه بالغربوالشرق  وما زالت عقلية العبد والسيد بالمفهوم الموريتاني تحكم فكره وكتاباته.

ذكرني المقال ببعض المواقف السابقة اتجاه الحراطين من بعض المنادين بالثورة و العائبين علي بعض ساسة الحراطين لعدم تحمسهم لثورة أو فتنة في موريتانيا ، ومن تلك المواقف علي سبيل المثال:

   * إهمال اليساريين طرح قضية العبودية ضمن نقاط الحوار مع المختار ولد داداه رحمه الله ابتداء من 1974، فالعبودية آن إذن لم تكن أولوية ، وللتذكير ضمت النقاط الخمسة التي قدم اليسار الأممي للتفاوض مع النظام :

1 – إعطاء الحريات الديمقراطية في التنظيم والتعبير والصحافة ،

2 – تأميم الشركات الإمبريالية وبناء اقتصاد وطني مستقل ،

3- القضاء علي المجاعة وتحسين ظروف حياة الشعب ،

4- إيجاد حل عادل متفق عليه للمسألة القومية،

5- مساندة الشعب الصحراوي .

عن الأستاذ : المصطفي ولد لكليب، جريدة المرصد 29 الصادر 15 أغشت 2004.

 *  اعتراف جميل منصور" بسكوت الإسلاميين عن حالات قمع تعرض لها آخرون ...وضعف تعاطيهم مع الإشكاليات الاجتماعية الشائكة مثل قضية الرق وتجلياتها المختلفة " أنظر جريدة المرصد العدد 47 الصادر 14مارس 2005 .

  * ما كشف عنه صالح ولد حننا ورفاقه من فرسان التغيير ، من الإقصاء الممنهج للحراطين بالمؤسسة العسكرية ، أثناء محاكمتهم بواد الناقة 2004 .

* يضن علماءنا بفتاوى فقهية عن شرعية العبودية بموريتانيا ، فإذا سئل أحد الفقهاء عن أصل و شرعية ممارسة العبودية ببلادنا التف علي السؤال بإجابة سياسية وليست فقهية ، آه من هذه المكيافيلية المقيتة .

لماذا نستمر في هذا الأسلوب المهين  للحراطين ، ولا نتذكرهم إلا عندما تضيق علينا الأرض بما رحبت ، وعندما نتجاوز ظرف الشدة ننسي معاناتهم إنه أبشع أنواع الاستغلال. مثلا لا نتذكر الحراطين عندما نريد أن نوزع بعض الهبات والمساعدات التي ائتمننا عليها المحسنون الخليجيون ، ننسي أحياؤهم الصفيحية الفقيرة ، و قراهم (آدوابه) المنكوبة منذ نشأتها و حتى الآن ، و نتناسى أبناءهم عندما تقدم أحزابنا ومنظماتنا الخيرية لأطرها منحا أو دورات تكوينية بالخارج ، لا نتذكرهم في ترشيحات أحزابنا للمناصب الوظيفية والانتخابية ، نتذكر معاناة الحراطين فقط عندما نريد الوصول إلي "أغراضنا" فقط .

     إن ذكر جزء يسير من ماضي تعامل الحركات السياسية والجمعيات الخيرية التي تمثلها  مع الحراطين وملف العبودية ومواقفهم منها و ربط ذلك  بالمهام الموكلة للحراطين الآن مفضوح القصد لاستغلالهم وليس لسواد عيونهم وإنما لترويض النظام عن طريقهم ، لكن ألا تحتاج مصداقية الثائرين - بشرط أن يكون الحراطين وقود ثورتهم - أن يكونوا قد برهنوا في وقت الرخاء علي تفانيهم من أجل تحسين أوضاع الحراطين ، بترشيحهم للمناصب الانتخابية و السياسية و حتى اعتبارهم من مصرفي الزكاة وإعطاء بعضهم نصيبا من مما يرسل لهذه البلاد باسم الفقراء والمحتاجين .

 في الحقيقة من غير المريح بل المثير للقرف و للاشمئزاز تصنيف الحراطين بهذه الطريقة والتباكي علي ماضيهم وما أصابهم ويصيبهم ، أليس الحراطين جزء من هذا الشعب ويوجدون داخل الثانويات والجامعة ، أليس الحراطين مناضلون ومناصرون للتيار الإسلامي ولكل الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى ، يبدو أن الحراطين بمنطق محمد بن المختار ، فئة معزولة عن الأحزاب و الإسلاميين وعن الطلاب والتلاميذ ، فعلي الحراطين "الفئة البرزخ " - كما يفهم من مقال محمد بن المختار - تنفيذ ما يطلب منهم ويتركوا الباقي لغيرهم ، وهكذا العبد في مفهومنا وتعاملاتنا، فالعبد لا نتذكره إلا عندما تكون لنا مهمة صعبة أو بسيطة ، فعلي العبد تنفيذها وتنفيذها فقط ، وانطلاقا من ارثنا الثقافي والحضاري نحن بحاجة لعمل ملموس من قبل الثوار.... والسلطة وكل الفاعلين السياسيين الاجتماعيين حتى يثبت لدينا حسن نواياهم وجدية إحساسهم بآلام الحراطين وصدق قصدهم في التغيير نحو الأفضل .

لقد آن لمفكرينا وكتابنا وثوارنا و مواطنينا أن يثوروا علي العقلية التقليدية الموغلة في الرجعية الجاهلية ، لماذا لا نثور علي العبودية ، فالحرية أدعي للثورة من ارتفاع الأسعار والبطالة وضعف الحظوة من الصفقات العمومية ، فكلها ثانوية بالمقارنة مع قيمة الحرية والعدالة والمساواة.فليست المشكلة مرتبطة بالسلطة وإنما هي مرتبطة بالنظام الاجتماعي الذي يحدد مفاصل حياة المرء عند ولادته بدل تقدير الإنسان وفقا لدينه وخلقه وخدمته لوطنه ...و امتثالا للآية الكريمة : (( يا أيها الذين آمنوا إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) ، فخلال السنوات ست الأخيرة تعاقب علي كرسي الرآسة في موريتانيا  أربعة رؤساء ، لكن لم يتغير شيئا في المفهوم الاجتماعي  للحراطين ولا في حظوتهم في الدولة من حيث المناصب وتوزيع الثروة ، لأن المسألة مرتبطة بالنظام الاجتماعي السائد وهو المتحكم في السلط وفي النخبة أيضا وهو ما يجب بالقيام بثورة عليه لتأسيس نظام اجتماعي يؤمن مستقبل أبناءنا.

 ففي منطق كاتب المقال وغيره من ثوارنا دم الحراطين رخيص فلا يهم من سيموت منهم في الثورة المهم أن نحقق بهم مآربنا ونرغم السلطة علي ما نريد، تماما  قصة سأذبحك وأملأ جلدك ذهبا .. وهنا يحق لنا التساؤل أيهما أكثر دكتاتورية ، ذلك الذي يحكم ويتمسك بالحكم أو ذلك الذي يسعي للحكم و تحقيق أغراضه الخاصة مهما كلف ذلك  من دموع ودماء وأرواح المواطنين.

لقد تعودنا في تراثنا الإستعبادي أن العبد يخدم سيده بالحرب والسلم ، ففي الحرب يبدي العبيد بلاء حسنا ليموت من العبيد ما شاء الله ، ويجرح منهم البعض أيضا ، في حين يتولي السيد التفاوض وقطف ثمان المعركة .

يرعي العبد الماشية ليحلبها لسيده أو يركب منها ، يتولي العبد زراعة الأرض وفلاحتها وعندما يكون الحصاد يأتي السيد ليتولاه ، هذا التراث الذي نبتهل إلي الله لنسيانه ، لكن منطق محمد بن المختار كما في مقاله يستفز الحراطين ويساعد في بعث روح الضغينة و الانتقام.

نحن الموريتانيين - مهما اختلفت شرائحنا وتياراتنا السياسية  وجمعياتنا الخيرية ... - بحاجة لفكر بناء ونخبة تقدمية نثور بها علي ممارساتنا وعقلياتنا الرجعية وتصنيفاتنا الطبقية الجاهلية وظلمنا الفاحش ، عل يعيننا علي نسيان الماضي وآلامه ، وذلك ما يخدم الوحدة الوطنية ويحمي الوطن من أهوائنا وما تحدثنا به أنفسنا ونكره أن يطلع عليه الناس .

قصة العبد والسيد

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox