مقعد اركيز ضحية امبراطورية العلف
الأحد, 12 فبراير 2012 10:26

 

alt  بقلم عثمان ولد بيجل

إن القرار التعسفي الغاشم الذي أقدمت عليه وزارة الداخلية أخيرا في مساعيها لتطبيق نتائج الحوار يميط النقاب عن الخلفية السياسية للدولة التي مافتئت تطبعها الحسابات القبلية والطائفية والعرقية. إنها تجسيد حي للتمييز بكل أبعاده الهمجية التي عودتنا عليها –للأسف- جميع أنظمتنا المتعاقبة منذ الاستقلال.

وبهذا القرار التعسفي تؤكد الحكومة الموريتانية من جديد نيتها الإبقاء على النظام الطبقي، بل والحفاظ عليه وتعزيزه عبر تدعيم وتقوية نفوذ الإقطاعية اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. هكذا قرأ الموريتانيون الأحرار نية النظام حرمان مقاطعة اركيز من حقها الطبيعي في الحصول على ثلاثة مقاعد مع تطبيق النسبية ذلك لتجاوز تعدادها السكاني سقف 93 ألف نسمة حسب النصوص.

أن يقف بعض نواب المعارضة في وجه هذه المؤامرة الحكومية الإقطاعية الظالمة فذلك لعمري يستحق الدعم والتشجيع؛ لأن الموقف يقتضي ذلك. ولكن أن يسكت نواب الأغلبية تضامنا مع زميليهم ـ نائبي اركيز الحاليين ـ رامين عرض الحائط بالحق والقانون اللذيْن يشكلان الركيزة الأساسية للديمقراطية السليمة؛ فذلك ليس إلا من قبيل التلكؤ والمماطلة سبيلا لتهيئة المناخ المناسب للحصول على أغلبية برلمانية مصطنعة أو مفتعلة (على الأصح) في الانتخابات القادمة الوشيكة.

ولا يسعني في هذا المقام إلاّ أن أشيد بالشجاعة والصراحة الفائقتين للنائبين، الأختين امَاه بنت سمتــَّـه والمعلومه بنت بلال اللتين ذهبتا إلى أبعد من زملائهما برلمانيي المعارضة الذين اقتصروا على الاستهجان والشجب والإدانة.

فالأختان كشفتا بحق خفايا اللعبة الكامنة وراء هذه المؤامرة، ومن ثم الدوافع المحلية لأصحابها النافذين من الإقطاعية الارستقراطية الذين أسسوا سلطانهم على احتكار التمثيل الانتخابي عبر تهميش وسحق الأغلبية: أصحاب الأصوات الفعليين، وبمباركة صارخة وتعسفية من كل الأنظمة التي عرفها البلد خلال ما يربو على نصف قرن من الاستقلال. وهو الشيء نفسه الذي يؤكده النظام القائم حال رفضه العدول عن قراره الجائر الذي أصبح محط أنظار الكل، بل وموضوع حديث واستنكار.

ولكي تكون الصورة أكثر وضوحا للقارئ فإنه لابد لنا من الغوص في مداخلاتي نائبي اركيز واللتين كانت تفوح منهما رائحة الغطرسة والغرابة. ولنا أن نطرح التساؤلات التالية: ما هي هذه الخصوصية التي تميز مقاطعة اركيز عن باقي مقاطعات الوطن حتى يحرم سكانها من حق مشروع لا يحتمل المحاباة أو التلكؤ؟ وبأي حق يسمح النائبان المحترمان لنفسيهما بالاعتذار عن مقعد ثالث من حق المقاطعة وكأنهما وصيان على مواطنيها؟ وهل يحرم على الدولة إصلاح أخطائها التي ارتكبت في حق الشعب رأبا للصدع حالما تبين لها ذلك؟

من العبثية بمكان محاولة الرد على هذه التساؤلات رغم أهميتها لبداهة وبساطة الجواب. ومهما يكن من شيء فالكل يعلم أنه لا يحق لشخصية أو لسلطة، مهما كانت ومهما بلغ غرورها، ظلم الناس وسلبهم حقوقهم. وهنا يتجلى للجميع ضعف حجة النائبين الموقرين اللذيْن – باسم مقاطعة اركيز- عللا اعتذارهما عن عدم قبول المقعد الثالث بحجة عدم رغبتهما فيه، من جهة، ولأن من شأن هذا المقعد أن يسبب، كما يزعُمان، اختلالا في التوازنات المحلية، من جهة أخرى.

ولكن عن أي توازنات يتحدث هؤلاء؟ هل هي هذه التوازنات القبلية العرقية التي أفرزتهما والتي تميزت بالانقلاب العنصري الذي قاداه – كعادتهما- ضد مرشح حزبهما آنذاك؛ لأنه عبد سابق فأوقعاه لصالح أخ لأحدهما؟ أم هي تلك التوازنات التي بنيت على صرح إحدى أعتى إمبراطوريات الرق والعَلفِ والمال والأعمال، والتي تنامي غرورها إلى حد التغرير بالحياة السياسية للساكنة، إضافة إلى سلبها قرارها الحر في المجالين الاجتماعي والاقتصادي؟

من هذا المنطلق يجب على الحكومة احترام النصوص بتطبيقها بحذافيرها على الجميع. ولن يكون ذلك مجديا إلا إذا نأت بنفسها عن التمييز، ووقفت بنفس المسافة من الجميع، بعيدا عن الانتماءات السياسية والحسابات الانتخابية التي طالما أضرت بالديمقراطية وأسسها.

إن مثل هذا الحيف ستكون له انعكاسات جد خطيرة في حال عدم تصحيحه نظرا للوضعية الحالية المتأزمة للبلد.

وهنا يجب على جميع الأحزاب الضغط بقوة على النظام للعدول عن هذا القرار الجائر الذي يعد السكوت عليه مشاركة حقيقية في تكريس الاستبداد والظلم و اللامساواة.

مقعد اركيز ضحية امبراطورية العلف

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox