سوريا القلب /أحمدو محمد الحافظ
الأحد, 12 فبراير 2012 14:39

أحمد ولد محمد الحافظأحمد ولد محمد الحافظقبل سنوات اندثرت وأعوام انقرضت  كنت أقرأ عنكِ دوما، عن جمال طلعتك وبيان أهلك و ثقافة سكانك وطيبتهم وأخلاقهم  العالية  وكرمهم  وحبهم  لكل قادم من صحاري وفيافي العرب. حين كنت أطالع كتب التاريخ التي ترسم ملامحك وتتحدث عن نشأتك، كنت أرسم  لك في مخيلتي صورة  وأي صورة. عشقتك وفتنت بك وأحببتك حتي الثمالة دون أن أزورك أوأن تطأ قدماي أرضك المباركة.

لسان حالي يقول : 
هذي دمشقُ.. وهذي الكأسُ والرّاحُ إنّي أحبُّ.. وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ 
أنا الدمشقيُّ.. لو شرحتمُ جسدي لسـالَ منهُ عناقيـدٌ.. وتفـّاحُ 
و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا
 
زاد هيامي فيك حديث ذلك  الشيخ  الهرم  الذي جال وصال في العالم فكان يحدثنا عنك وعن أيامك ولياليك الدمشقيات كان  يعتبرك آخر القلاع ويردد دوما أنك  بوصلة  العرب ورمز  عزتهم. فمنك   كانت حضارة الأمويين وفيك ازدهرت  ثقافة الشعر  والرواية  والفن. في كل  شارع فيك  حكاية  ولكل زنقة  فيك رواية  يحفظها  ذلك العجوز عن ظهر  غيب. كان يرويها لنا  على كثبان أرض شنقيط الزكية، وبين دمشق وشنقيط  حكايات لا  (تحصى)؟ ومحبة  قديمة تتجدد مع الأجيال...
 
اتصل بي الشيخ  وغصة  في حلقه  بعد  أن  افتقدته زمانا، كان يبكي بكاء يندى له الجبين وتشيب له الولدان. سألته  ما يبكيك يا "شيخ العرب " وقد عهدتك  جلدا  صبورا عند النوازل فما الخطب؟
كان صوته  متقطعا وهو يردد إنها "حمص " و أخواتها  أدمين قلبي   وأحزن فؤادي  200 فتي من فتيانها يقتلون في ساعات.  لقد  طغى هذا  النظام وتجبر  واستأسد علي شعبه وهو في الجولان غزال. 
 
رقم قياسي يذكرنا بمجازر نيرون وفظاعات ستالين و حماقات هتلر وكأن  نظام "الأسد" أراد بفعلته الشنعاء أن يضاف إلى سجل "الخالدين" والمتميزين في قمع شعوبهم وذبحها وسحلها  وليته ما فعل ..
ثم  أردف قائلا : أشفق  علي "شام الدنيا وشامتها " من حالها  هذه  الأيام  فقد  أصبحت  على شفى حرب أهلية،  والمطامع الغربية  تحيط  بها من كل  جانب   لتقطع جسدها الجريح إربا إربا وتعطيه إلى  الذئاب المفترسة .. 
فعلا  عتى  النظام  وتجبر وبلغ  قمعه درجة الوحشية و أصبح تغييره  مسألة  حتمية  بعد أن  أوغل في دماء شعبه و قتل ويتم ورمل  ألوفا من درعا الصامدة مرورا بالقامشلي الجريحة  وصولا إلى ريف دمشق وختاما بحمص الأبية. حمص التي تضرب اليوم أروع أمثلة الصمود والنضال في وجه آلة  القتل التي  لم تعد  تفرق بين صبي في عمر  الزهور و فتاة  في  سن  الورود و شيخ  هرم.  كل هؤلاء لا يفهمون في السياسة ولا ينتمون لجماعة  إرهابية ولم يسمعوا يوما عن "مجلس اسطنبول " ولا أشباهه في  العواصم  الغربية، وما أكثرها؟
 
رغم  كل  الويل  والخراب و  الدمار  الذي  تسبب فيه النظام،  فإن  دخول القوى الغربية علي الخط واحتمال تدخل عسكري غربي سيكون  كارثة وسيحول عاصمة "بني مروان " وأرض الخلافة الإسلامية إلي دويلات  تتقاتل ويذبح بعضها بعضا وسيسقط  أضعاف ما سقط  في مجازر النظام على فظاعتها، فللغرب تاريخ سيئ ومطامع  قديمة  جديدة. ولن ننسى كلمة  أحد قادتهم العسكريين وهو يخرج  من دمشق   فوقف  علي قبر  القائد الخالد صلاح  الدين  مستوقفا باكيا علي ما خلف وراءه  وقال " إنا عائدون يا صلاح الدين "..
 ثم توقف  الشيخ  هنيهة عن الكلام  و حرقة  في قلبه  وغصة  في حلقه  تكادان تسلبان روحه ,آه  لقد تذكرت أختها  توأمة  روحها  عاصمة  العباسيين  "بغداد "وما أدراك ما بغداد؟
تذكرت ما آلت إليه  بعد  تدخل  الغرب وأمريكا التي  عودتنا أنها  تفسد  في  بلداننا  أكثر  مما تصلح. فهل يعي  "عرب الخليج " الدرس ويكفوا عن استقدامهم  للغرب و يوفروا  حلا عربيا صرفا منصفا  ينقذ السوريين  من محنة  "نظام  مستبد " دون  أن يدخلهم  في ظلمة  تدخل غربي غاشم سيجعل  من دمشق شوقي وقباني وقبلهما جرير والفرزدق أثرا بعد عين ..
لم يكن ذلك الشيخ الذي ناجيته سوى روح المحبة والخوف  والشفقة  التي تسكن  كل  مواطن عربي أحب بلاد الشام  وأهلها، و أغاظه  أن يرى حالها اليوم وهي تواجه نظاما مستفزا "نيرونيا  بوتينيا  " عديم  الإنسانية،  و معارضة  مفرقة مشتتة  لا يهمها سوى كعكعة  الحكم – إلا من رحم ربك -،  وعرب يجيدون كثيرا  فن المؤامرات ويعرفون استجلاب الغرب لأشقائهم ثم البكاء والنحيب ولكن حين لا ينفع الندم.
      
 
لك الله يا سوريا، يا أعظم  قلاع المجد  وأعرقها. وحده  من  جعل  منك  قبلة المبدعين وقاهرة الظالمين  ومجيرة المستضعفين  سينجيك من  النارين ، نار بشار وزمرته التي أحرقت الأخضر واليابس ونار الغرب وأزلامه.
من فرط  تأثرنا بحالك  يكاد  يقضي  علينا  الأسى لولا( تآسيينا ؟) مرددين  قول ابن زيدون أسفا  على فراق  الأحبة وكأنه يصف حالنا اليوم  ونحن  نفارقك  :
 
غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا   
  
بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدّهرًُ آمينَا   
  
فَانحَلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا؛   
  
وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُولاً بأيْدِينَا   
  
وَقَدْ نَكُونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا،   
  
فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا
سوريا هي  قلب العرب النابض ولسانهم الناطق. فهل من رجل رشيد ينقذ القلب ويعيد  إليه الروح  التي ستجري  في جسد  الأمة  المحترق والممزق؟
 
سوريا القلب /أحمدو محمد الحافظ

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox