الشيخ وجدي غنيم.. كلمة حق أمام عصر جائر (رد)
الخميس, 23 فبراير 2012 13:29

 

 

محمد الأمين بن محمد المختار

بسم الله الرحمن الرحيم

قرأت في موقع "السراج" الألكتروني، مقالاً للأخ المختار ولد آمين، أشهدُ أنه نجح في تحقيق "الصدمة والترويع" من خلال عنوانه، بالنسبة لي على الأقل، وإن تلك لميزةٌ تحسب لهذا المقال من الناحية الصحفية، ما دام قد أجدب من الميزات في جوانبه الأخرى؛ المهنية، والعلمية، والأخلاقية، والأدبية (أدباً وتأدباً). مقال يتهجم من أول نقطة على العلم الشامخ والطود الراسخ الشيخ وجدي غنيم (حفظه الله وأطال بقاءه)، مفترياً عليه تهمة "التطرف" كما اتهمه بها العلمانيون ورماه بها "حسني باراك" خلف الحدود، ولا غرو! فالقابض على دينه في زماننا قابض على الجمر، وكفى بذلك تطرفاً وتهوراً!!

والحقيقة التي يلمسها القارئ، أن المقال ليس فيه سوى عنوانه، فهو من قبيل هذه العناوين الضخمة التي يحسبها الظمآن ماءً، حتى إذا تولج فيها، ندم على ما أضاع من وقت ثمين.

ساق الكتاب لهذا الاتهام الشائن والمُهين، والفجّ والمَهين، ثلاثة أدلة هزيلة هزليَّة، لا تدري هل تناقشها أم تتعجب منها وترثي لهزالها، ونحن نسردها على علاتها ورديء تعليلاتها:

1 – تضخيم الشيخ لمستواه العلمي بذكر الشهادات:

ومع متابعتي الدائمة لهذا الرجل المبارك، لم أصادف إحدى المناسبات التي حصل فيها هذا التضخم والتضخيم، بيد أني لا أنفي أن يكون الكاتب المهاجم قد رأى ذلك وشاهده، ولكن – بالله عليكم – لو حصل ذلك، فما علاقته بالتطرف؟! وما علاقته بسلامة أو خطأ المواقف الفكرية، لأي إنسان مهما يكن؟! وعلى فظاعة الاتهام بالتكبر وتضخيم الذات، فلا منطق في ربطه بالتطرف أو بالاعتدال، فكم من متكبر و"مفكر عربي أو إسلامي" يتباهى بنفسه ويُباهَى به، وهو لا يحسن سوى "التطرف" في جانب التمييع والاستخذاء والتبرير.

وبعد كل ذلك؛ فإن التعريف بالنفس وعرض السيرة الذاتية لأي عالم أو باحث، هو أقرب إلى أن يكون مطلوباً، ليستمع الناس له (في عصر لا يرى الناس فيه سوى الشهادات)، وليس كل متحدث بالنعمة مفاخراً أو مضخماً، بل وليس الفخر بالعلم مذموماً، إلا إذا كان لمقصد مذموم.

وبعد كثير من لغو الحديث ولهوه، يعود الكاتب ليعترف للشيخ بسعة الباع ووفرة الاطلاع وقوة الاضطلاع، فكأنه ينقض غزله بيديه.

2 -  التباس الفهم الشخصي بالدين:

وقع كاتبُنا هنا – وذلك المتوقع – في هذا المزلق السفسطائي الذي صار معششاً في عقول الكثيرين؛ فإذا لم يُفتِ العالم على وفق هواهم، فذلك فهمه الخاص وليس الدين. هل تريدون أن يترك فهمه إلى فهمكم، لتسامحوه وتنفوا عنه تهمة التطرف؟! أيها السفسطائيون، إن الإنسان – عالماً كان أو جاهلاً- لن يقول إلا ما يراه صواباً، وإذا كان مفتياً فهو موقّعٌ عن رب العالمين بأن هذا هو دينه. أم لا يرضيكم إلا أن يقول: ربما وربما؟ أو أن يقول إن فتواه ليست هي الدين؟ فما عساها إذن تكون؟! إن الأولى بكم أن تطلبوا إلى "المتعلمنين" منكم – وما أكثرهم! – أن لا يتحدثوا باسم الدين، وأن لا يعتبروا أفهامهم هي "الفكر الإسلامي"، وأن تعتبروا فريتكم على الشيخ باتهامه بالتطرف، مجرد رأي لا قيمة له ولا يلزمكم.

هل آخر مطاف ديمقراطيتكم "المزعومة" أن تجعلوا من ينتقدها ويكفر بها متطرفاً، والحال أن العلمانيين المبجَّلين من طرفكم يعتدون على حق رب العزة والجلال في تشريعه وفي أحكامه، وهم عندكم أصحاب آراء معتدلون، وفي التحالفات داخلون ومقبولون! هلّا وسعكم مع العلماء الأجلاء الدعاة النبلاء، ما وسعكم مع العلمانيين المنازعين لسلطة ذي الجلال والكبرياء!

نعم، إن للشيخ وجدي موقفاً لا يتزحزح، رغم كل النكبات والجفاء من القريب والغريب، وهو المطالبة بتطبيق شرع الله، وأن تكون كلمة الله هي العليا في أرضه وتحت سمائه، لم يشغله عن ذلك ولم يصرفه تصاعد الضجيج والصخب باسم "الديمقراطية" المقدسة.. وكان الأولى بمن ينتقدونه ممن يقفون (على أمتار) أمام "الخلفية الإسلامية"، أن يوجهوا طاقاتهم المهدورة في السفسطة إلى الدعوة لتطبيق شرع الله، كما كان يفعل علماؤنا الأبرار من أمثال الإمام بداه ولد البوصيري (قدس الله روحه)، قبل أن تضرب لوثة العلمانية غشاوتها على عيون الأجيال الجديدة.

وأغلب ظني أن موقف الشيخ الصارم هذا، هو الذي جعله هدفاً للصغار، ومحطا للأنظار، لأن "الديمقراطية" – التي لم نكن نعرفها من قبل – صارت هي "شهادة التوحيد"، وهي محك "الإيمان والكفر"، مما أنشأ عندنا ما أسميه "ظاهرة التكفير الديمقراطي"، فكل من لا ينادي بالديمقراطية ولا يبذل فيها النفس والنفيس، حكموا عليه بكفرهم المسمى "تطرفاً". وقد باء الشيخ وجدي بذلك، لأنه  لا يعرف النفاق، الذي يصطلحون على تسميته اليوم بـ "السياسة"، أو بعبارة أوضح "البرغماتية"، فإذا استخدموه هم فهو المصلحة، وإذا استخدمه غيرهم فهو التملق والنفاق. إن الشيخ – وذلك حال العلماء – لا يحق له أن يرهن نفسه لرياح من شمال أو من جنوب، بل يصدع بالحق الذي ائتمنه الله عليه وسوف يحاسبه عليه، (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينُنَّه للناس ولا تكتمونه)، وإذا كان المثقفون العاديون يتفقون على "أن ما يُلزم السياسي لا يُلزم المثقف والأديب"، فهل ستُلزمون "العلماء حملة الدين" بالتزاماتكم السياسية، وإلا كانوا من المتطرفين؟! مالكم كيف تحكمون!  

2 – أن الشيخ لم يراع الأوضاع الراهنة:

لقد جاء الشيخ إلى بلاده تونس، بدعوة من أهله وأحبابه التونسيين، واجتمع عليه من الناس ما لم يجتمع على غيره، بل وطالبوه بتمديد إقامته لإلقاء المزيد من الدروس والخطب، فما الأوضاع التي تدريها أيها الكاتب أكثر من ما يدريه التونسيون أنفسهم وهم أهل مكة!

لك كل الحق في أن تختلف مع الشيخ ومع التوانسة أنفسهم في تقدير الأوضاع، وتلك مسألة جزئية إجرائية، ولكن هل يصل الخلاف في مجرد (التقدير) إلى الاتهام بالتطرف؟ واتهام من؟ اتهام علم الأعلام وناصر الإسلام! الذي تعترف له نفسك بكل الفضائل، وبالثبات في وجه المحن. وكان الأولى بك أن تعتبر تجواله في العالم من شرقه لغربه، دليلاً على سعة اطلاعه وقدرته على تقدير الأمور أكثر ممن هو ملازم لبيته لا يدري عن العالم سوى أقوال الصحف والقنوات.

نعم إن "العلمانية" في تونس الحبيبة كان لها ضجيج يصم الآذان، ولكن سقوط الطاغية أظهر حقيقة أنها ظاهرة صوتية وأنها أوهن من بيت العنكبوت، ولذلك تجد أيتام بن علي وبورقيبة يعلون أصواتهم الوقحة بالهجوم على الإسلام، كما تفعل الحيّة حين تنفث أشد سمومها إذا توجست الخطر. وجراءتُهم هذه هي التي جعلت "غيرَ المتطرفين" من أمثال الكاتب (يرونهم مثليهم رأي العين) ويخشون من صولتهم، بعد ذهاب دولتهم، فما كان أحوجنا إلى زيارة الشيخ وجدي ليرد لهم الصاع ثلاثة آصع، ويحشرهم صاغرين في بيتهم العنكبوتي!

وختاماً، لقد كنت أتوقع حين قرأت "العيطة الكبيرة" أن الكاتب المهاجم سيكون على قدر الحدث؛ ويفصل القول في القضايا الفكرية التي "تطرَّف" فيها الشيخ - على زعمه - أو أن يذكر ما يدعم اتهامه ولو كان ضعيفاً، لكنه فضل أن يسبح بنا في التنظير حول "الوسطية" و"قدسية المبادئ" إلخ، حتى إذا وصل إلى المهم، قال كلمتين وانتهى.

هذا، ولا يظنّنّ أحد أن العبد الفقير، يعتقد عصمة أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن أسلوب الشيخ وجدي – كلَّه – منزهٌ عن الملاحظات والأخطاء، ولكن حين يكون الهجوم على العلماء بهذا المستوى، وجب أن يكون الرد عليه أشد وأقوى.

والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

 

الشيخ وجدي غنيم.. كلمة حق أمام عصر جائر (رد)

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox