| تأديب الحكومة مستحق وإن تأخر |
| الأحد, 26 فبراير 2012 10:11 |
|
لم يكن يغيب عن بال الرئيس مستوى الهدر الذي مارسه هو شخصيا وحاشيته على موارد الدولة ومال المجتمع وجاء العقاب الرباني بابتلاء القحط والمحل والسنين العجاف التي بدأت تنيخ بكلكلها منذ السادس من أغطس 2008 عندما نفذ الضابط ذو الجسم البدين انقلابه لتصفية الشكل الديمقراطي الهزيل الناتج عن انتخابات 2007 القذرة جوهرا النقية شكلا. ومن مظاهر هذا الفصام النكد في شخصية الرئيس كون الرجل لم يتمكن من هضم مكونات شخصيته فهو أحيانا يظهر في سلوكه وتصرفاته كمن يتقمص دورا تمثيليا غير أصيل في شخصه وهو هنا أشبه بممثل غير محترف (يتقمص دور بطل) ولا يسعفه مخرج الفلم بلمسات إعادة الترتيب حذفا وإضافة من أجل الظهور بالمظهر اللائق. وأحيانا يظهر بمظهر العسكري المنضبط الفاهم والمستوعب لحدود دوره الفني وتلك هي أقل حالاته. ويبدو هذا التناقض في شخص الرئيس ولد عبد العزيز واضحا في لقاءاته المباشرة حيث يحاول أن يجيب عن كل شي إجابة العالم مما يعرضه للسقطات الكبيرة سواء في لقاءاته التلفزيونية أو الاجتماعات السياسية التي تعود شركاؤه تسريبها باستمرار مما يؤشر على حجم التذمر والتملص من الولاء للرجل وستأتي اللحظة التاريخية التي يتضح فيها أن دور المعارضة الأهم إنما جاء من داخل الأغلبية والنظام وليس بالضرورة من داخل المعارضة التقليدية التي فشلت حتى الآن في التعامل مع إكراهاتها الواقعية مما وفر خدمات كبيرة شكلت منقذا لعزيز وحكمه في العديد من السنوات الماضية. حكومة الفشل والانهيارتوضح التسريبات الخارجة من القصر بسرعة رسائل لــsms أن شخصية الدكتاتور المستبد بدأت في الظهور بشكل متسارع فالاستخفاف بمن حوله والضيق بأوضاع الناس والهجوم الساعي لتحطيم الكل، باتت معروفة للجميع، ولكن أخطر ما في الأمر هو أن الرئيس عندما اختار طاقمه المحيط به، كان يعتمد بشكل أساسي على إبعاد كل من له كفاءة شخصية أو قدرة على المبادرة والتنبيه لتلافي الأخطاء القاتلة، ومن الواضح أن كل هذه الأكوام من أشباه الرجال في الحكومة وفي الأغلبية الحزبية تقع اليوم تحت هول الصدمة جراء نمط القيادة الصادم الذي أسفر عنه نضالها.(تصريح عزيز للجزيرة 2008) إن أخبار التوبيخ وأزمة الثقة المستحكمة ما بين الرئيس وكل المحيطين به تلقي إلى السطح اليوم بعمق الأزمة السياسية التي يعاني منها الرئيس والبلاد ومع ذلك وبشهادة تقييم الرئيس نفسه لحكومته يكون الرأي العام الموريتاني قد حصل على اعتراف رسمي بفشل مشروع حكم الرئيس ولد عبد العزيز بكل ما في الاعتراف الذاتي من قوة، وهذا الفشل مشاهد في واقع الناس وليس ادعاء نسجته خيالات المعارضين. ولو كان الرجل اختار في طاقمه ولو رجلا رشيدا واحدا من ذوي الرأي لحملته غيرته على رئيسه وعلى البلاد على أن يثنيه عن غوايته ولكن من الواضح أن جل الطاقم قادم من أسفل القاع ولا ينظر إلى ما هو أبعد مما بين قدميه وإلا لكانت نتائج نقاش جاد تجري داخل مجلس الوزراء وتقدم وجهات نظر مغايرة لما هو معهود من قناعة الرئيس، وهذا سيكون علامة إيجابية تحسب للمجلس ورئيسه بدل الصورة المستقرة حيث يبدو كل فرد من أعضاء المجلس الوزاري كالميت بين يدي مغسله، وتشير المعطيات المتداولة إلى أن جلسة الحكومة قبل الأخيرة كانت مخصصة فقط لشتم أعضاء الحكومة الفاشلة والتي ما فتئ أعضاؤها يقدمون المعاذير بأن أسلوب الرئيس المتسم بالمركزية الشديدة في الإدارة وهيمنته على المصادر المالية تكاد تشل الدولة شللا كاملا معيقا للأداء والفعل أيا كان سلبيا أو إيجابيا وهذه حقيقة مشاهدة في واقع الإدارة ويعرفها المراقبون للشأن العام. والذي نرجحه أن هذا المستوى من الاستخذاء والرضوخ طارئ على مجلس الوزراء الموريتاني فقد كان من سمات الحكومات المتعاقبة وجود قدر لا بأس به من الحرية التي تتيح النقاش والمداولة. وكانت فترة ولد الطائع التي تشكل دون شك مرجعية وحيدة للتكوين السياسي للرئيس ولد عبد العزيز فترة تراجع في هذا السياق ومع ذلك فقد كان الوزراء يناقشون ويقدمون حججهم بإزاء حجة الرئيس وقد نقل صاحب كتاب الوزير السفير محمد محمود ولد ودادي جوانب من تلك النقاشات يقول"... واجه (سيدي ولد الشيخ عبد الله) يوما الرئيس ..ووصفه بطريقة غير مباشرة بجهل ملف عن الصيد كان يريد عرضه على المجلس حيث قال للرئيس ما معناه "إذا لم أكن أعرفه فمن يعرفه؟" فنظر إليه الرئيس بحنق دون أن يرد". (الوزير ص 28). ومما لا شك فيه أن مجلس الوزراء الحالي يفتقر لرجال يؤمنون بقيم تفرض عليهم الذب عن أعراضهم في وجه سيل الشتائم الموجهة إليهم، ولو كان فيهم رجال عقلاء لخرجوا واستقالوا خصوصا وأن الرأي العام يدرك أن عمر حكومة منزوعة الثقة من رئيس يملك ترسانة واسعة من الصلاحيات يبقى مسألة وقت فقط. ومن المعروف أن الطاقم الحالي منتهي الصلاحية ويتجه حتما إلى الرحيل.. فلما ذا لا يسجل هؤلاء لأنفسهم استقالة تحفظ لهم كرامتهم الوطنية ويكون ردهم على الدكتاتور المثل العربي القديم :"بيدي لا بيد قُصَيْر" |
