| حماه الله ولد حنن يكتب من السجن: الدعاة إلى الله بين ظلم العسكر وتبعية القضاء |
| الاثنين, 02 أبريل 2012 11:40 |
|
في اليوم الأول من أول شهر من سنة 2012م، وبعد 43 يوما قضيتها صحبة ستة عشر شخصا من خيرة الدعاة إلي الله في السرية الأولي " كوينتانامو" وذلك في ظروف سيئة حيث نفترش الغبار وينهش من أجسادنا البعوض ونمنع الحمام إلا مرة أو مرتين في اليوم والليلة، إذا بعد كل هذه المدة كان مثولي وكل المجموعة أمام وكيل الجمهورية المدعو الشيخ ولد باب أحمد، ولن أطيل هذا المقال في الحديث عنه وعن التهم التي افترى علينا، وأكتفي بموافقة الشيخ المجلسي في تكييفه للتهمة التي وجهها له في رده عليه وذلك بعد التحقيق الذي لا يؤثر عليه حرص على منصب وراتب وإخوان ولا خوف من ذوي سلطان والله الحافظ من همزات الشيطان. وأنتقل معك أخي القارئ إلي اليوم الثاني من أيام هذه السنة الذي مثلت فيه أنا ومن طلب وكيل الجمهورية بسجننا أمام قاضي التحقيق المدعو محمد بوي ولد الناه، حيث مثلت أمام ثلاثة قضاة لا يشعرك الوقوف بينهم إلا بغربة الدين وصولة الظالمين، ولما بدأ قاضي التحقيق بالكلام نازعتني نفسي أن أقول له إنه لا يهمه التحقيق بل أمر بإيداعي السجن وهو منفذ له لا محالة، ولكني التزمت الصمت متذكرا قول القائل إنك تصيح في واد وتنفخ في رماد، ثم نظرت فيما حولي من رفاهية مكتب القاضي وما حوله من كتب القانون باللغة الفرنسية وغيرها، وبينما أنا كذلك إذ وقع نظري على النشيد الوطني معلقا على الجدار، فقلت للقاضي بعد ما قرر سجني انظر إلى النشيد الوطني يقول فيه الشاعر رحمه الله : واحكم بما قد اظهروا فما تري السرائر، وذلك إشارة مني إلي أن ما في محضر التحقيق الذي كتبه محققوا أمن الدولة ليس فيه ما يستوجب مثولي بل سجني، وذلك لأني نظرت فيه فإذا التهمة التي جاءت بها قرائح رجال أمن الدولة طيلة هذه المدة " إجتماع من أجل الدعوة"، وهذه المسرحية التي سجنا بعد انتهاء فصولها لا بد أن أقف معها وقفات وأن أسطر عبر هذا المقال وغيره بعض المعاني المستفادة: الوقفة الأولي: أن قاضي التحقيق والوكيل وغيرهم من رموز مؤسسة القضاء في بلادنا إنما هم موظفون عند النظام لا يعملون من أجل قيم أو مبادئ هذا الدين الحنيف، بل يأمرهم النظام فيأتمرون وينهاهم فينتهون، ولا حرية لهم في الحكم، بما ظهر لهم من براءة متهم أو إدانة آخر، فهم تبع للنظام ينظرون بعيونه، ويسمعون بسمعه ويقتاتون على فتاة موائده، فأني لهم أن يحكموا بحرية بحرية مؤسستهم التي هي من أعظم أدوات الأنظمة في صناعة الظلم والتشهير بالدعاة إلي الله تعالى. الوقفة الثانية أن هؤلاء القضاة لا يحكمون بالشريعة ولا بالقانون الذي يزعمون أنه مستنبط من الشريعة، إذ لو كان الأمر كذلك ما كانت الدعوة إلي الله تهمة ولها نصوص في قانون الإرهاب يدينها وهذا المعني الذي هو الحكم والتحاكم إلي غير الشريعة بين ظاهر لا يحتاج لدليل لذوي العقول والأبصار بل والعامة من الناس يدركون هذه الحقيقة، بل إن قاضي التحقيق نفسه أقر بهذا المعني حينما ناقشني في المثول الثاني قائلا: القانون مستنبط من الشريعة إلا أنه معطل، قلت اتفقنا إذا وشهد شاهد من أهلها، إذ أن التعطيل حقيقته الحكم بقوانين وضعية مخالفة للشريعة يؤدي تفعيلها إلي تعطيل الشريعة، وبالتالي تقع الأنظمة المتعاقبة في أعظم الظلم عند الله تعالي، ألا وهو اشريع قوانين تخالف الشريعة مع الحكم بها تعطيلا" لقوانين الله تعالي التي لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها. الوقفة الثالثة أن سجن الدعاة إلي الله تعالي ليس كسجن غيرهم ممن هم مظنة للفسق والعدوان، وهذا المعني قرره شيخ الإسلام بن تيمية، بل وقال إن هذا المعني محل اتفاق، فقال رحمه الله ( دعاوي التهم مثل القتل أو قطع الطريق، أو السرقة والعدوان على الخلق بالضرب، وغيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام: 1- إن كان المتهم برا لم تجز عقوبته بالاتفاق (محل الشاهد). 2- أن يكون مجهول الحال لا يعرف ببر أو فجور فهذا يحبس حتى تنكشف حاله عند عامة علماء المسلمين، والحبس ليس هو السجن وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء في بيت أو بتوكيل نفس الخصم عليه. 3- أن يكون المتهم معروفا بالفجور، فإذا جاز حبس المجهول، فحبس المعروف بالفجور أولي، وما علمت أحد من أئمة المسلمين قال إن المدعي عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، ومن زعم أن هذا على إطلاقه وعمومه هو الشرع، فهو غالط غلطا فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولإجماع الأمة وبمثل هذا الغلط الفاحش استجرأ الولاة على مخالفة الشرع خروج الناس عنه إلى أنواع من البدع السياسية". إذا معشر القضاة هذا ليس من جعبتي، بل هو من كلام إمام من أئمة المسلمين، فمن أجل هذا وغيره فإن سجن الدعاة إلي الله من أعظم الظلم والإفساد في الأرض، لأنه تعطيل لدورهم الريادي في إصلاح البلاد والعباد، ونشر تعاليم الدين والأخلاق الفاضلة، في الوقت الذي يعبث في البلاد والعباد فسادا من هو أحق بالسجن. هذا وغنه بقي في الجعبة الكثير من الوقفات لعلي أسطرها في مقلات لاحقة، أو في مناسبات أخري وأختم هذا المقال بنصائح عامة للقضاة ولمن اسند إليهم مهمة القضاء، ولغيرهم أيضا من الأحرار والشرفاء الذين تأبي فطرهم الظلم أيا كانت صوره، أولائك الذين يصدق فيهم قول السقلي رحمه الله: وكنا في مواطنيا كراما تعاف الضيم أنفسنا وتابا ونطلع من مطالعنا نجوما تعد لكل شيطان شهابا أولا: في صحيح مسلم من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالي: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا,. هكذا بهذا الأسلوب ينادي الجبار عباده مؤمنهم وكافرهم ويعلمهم بأنه حرم الظلم على نفسه، وحرمه فيما بين عباده، ثم يؤكد ذلك بقوله فلا تظالموا ... وهذا النهي عام يدخل فيه كل صور الظلم، فيحرم ظلم المسلم والكافر والحيوان. ثانيا: ومما يشعرنا أيضا بخطورة الظلم أن العليم الخبير نفي عن الظالمين الفلاح والهداية فقال ( إنه لا يفلح الظالمون)، وقال تعالي ( والله لا يهدي القوم الظالمين)، هكذا إذا وإلي كل الظالمين الذين يكذبون على أنفسهم قبل شعوبهم لا سبيل إلي الإصلاح والفلاح وحرب الفساد والمفسدين إلا بترك الظلم قولا وفعلا، وخير فعل المرء حسن فعله، ولا سبيل إلى ذلك أيضا إلى بتحكيم الشريعة على أرض الله، بين عباد الله مع ترك غيرها مما هو مخالف لها، قال تعالي ( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)، وقال تعالي ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فاليفرحوا هو خير مما يجمعون). ثالثا: لقد لعن الله الظالمين بقوله (( ألا لعنة الله على الظالمين ))- هود- ، ثم وعدهم بالعذاب المقيم فقال (( إن الظالمين في عذاب مقيمم)) – الشوري-، ثم إنه لا أحد كائنا من كان يستطيع نصرهم أو ولا يتهم، قال تعالي (( والظالمون مالهم من ولي ولا نصير)) – الشوري-، وأمر الله عباده المؤمنين بإنذار الظالمين، فقال (( وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدي الحناجر كاظمين ماللظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)) – غافر-، وأخبرنا الله في كتابه العزيز أنه ليس بغافل عن أعمالهم في الحياة الدنيا وصور لنا في كتابه العزيز كيف فزعهم يوم الحساب فقال (( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء)) – إبراهيم-،. رابعا: إنه ليذهل ويفرع من تتبع أحوال الظالمين ومصيرهم في كتاب الله تعالي ومن ذلك قوله تعالي عن فرعون وقومه لما أعرضوا وظلموا وردوا دعوة نبي الله موسي حيث قال لهم (( وقال موسي ريب أعلم بمن جاء بالهدي من عنده، ومن تكون له عاقبة الدار، إنه لا يفلح الظالمون)) – القصص-، فماذا فعل بهم الجبار القهار ((فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويم القيامة لا ينصرون واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين)) – القصص-، فدولة الظالمين إلي زوال وإن طال ليلها، والغي لا ينزل حيث الشوكة لأولياء الله الأتقياء، ولقد صدق أبو العتاهية في حكمه حيث يقول: لا بد مما ليس منه بــــــــــدو والغي لا ينزل حيث الرشد كم دولة سوف يكون غيرها وسوف يفني شرها وخيرها وقال آخر: ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتع مبتغيه وخيم خامسا: ومما يسعد المظلومين ويقض مضاجع الظالمين أن الله تعالي أخبرنا أن أشباه ونظراء الظالمين سيحشرون معهم نكالا من الله وجزاء عدلا ممن لا يظلم عند أحد مثقال ذرة قال تعالي (( أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم)) – الصافات- فيا من كنت عونا للظالمين هذه الفرصة ما زالت بين يديك فتب إلى الله قبل فواتها، ولا يغررك تقلب الظالمين في البلاد، واغتنم حياتك قبل موتك، وكن في صف أولياء الله الداعين إلي دينه الذابين عن حياضه. سادسا: إلي أولائك الذين استحلوا أعراض المسلمين فبثوا العيون بين الناس لكشف عوراتهم، أقول إذا كان الساكت عن الحق شيطان أخرص، فما الظن في النمام المغتاب؟، الذي ينقل كلمة واحدة، ويخلط معها99 كذبة إرضاء وتمشيا مع سياسات أنظمتهم وأسيادهم، هؤلاء الذين يذكك حالهم بقول الفرزدق يهجو جريرا: قنافذ هداجون حول بيوتهم بما كان إياهم عطية عودا. ولقد والله أحسن أبو العتاهية حيث قال: من جعل النمام عينا هلكا مبلغك الشر كباغيه لكا يغنيك عن قول قبيح تركه قد يوهي الرأي الأصيل شكه وفي الختام أقول هدذ النصائح صالحة في كل زمان ومكان، لأنها مؤصلة بكلام العليم الخبير، هي أيضا لصانعي الظلم في كل أنحاء المعمورة، لعلهم يستشعرون خطورة فعالهم فينتهوا ويتوبوا، ويردوا المظالم على أهلها، ولا يعطلوا الدعاة عن مساجدهم ودعوتهم، هي أيضا للعلماء والأحرار والشرفاء ليدركوا ضرورة رفع الظلم عن المظلومين، ولا يداهنوا الظالمين كيف كانوا بل أن يظاهروهم على المظلومين من أهل الدين وغيرهم، والله يهدينا وإياهم إلي مافيه عز الإسلام وأهله.
كتبه حماه الله ولد حنن، إمام وخطيب جامع عبد الله بن المبارك، وموظف بوزارة التعليم العالي، وأستاذ جامعي بالجامعة اللبنانية الدولية، من السجن المركزي 27 ربيع الثاني لعام 1433 هـ، الموافق 21- مارس – 2012م. |
