| ثقافة التراضي... |
| السبت, 07 أبريل 2012 12:17 |
|
انطلاقا من هذا التعريف المقتضب أقول إنه في الأسابيع الماضية نشرت بعض أهم المواقع الإخبارية الموريتانية استنادا إلى تصريحات أدلى بها رئيس اللجنة الوطنية للصفقات أن اللجنة منحت حوالي 60 صفقة بالتراضي في عهد نظام محمد ولد عبد العزيز مدعما قوله بوثائق تم نشرها حينئذ، وهو الشيء سبق نفيه من طرف رئيس الجمهورية خلال زيارته لمدينة انواذيبو لكن سيادة الرئيس لم يدعم قوله بما يثبت إصراره على رفض التراضي كسلوك منتهج في إدارته لشؤون الدولة. حيث برهنت الأيام التالية لخطابه " التاريخي في مدينة نواذيبوا" أن ثقافة التراضي لا تختص بمجال الصفقات وحده وإنما يجب نقلها أو استحداث مكانا لها في الجانب السياسي أيضا. ذلك ما جرى في أعقاب اجتماع رئيس الجمهورية مع أغلبيته التي تزعم أنه يحكم من خلالها بتعيينات من داخل بنيتها التنظيمية ومن أحزاب متفرقة، تلك التعيينات التي تعتبر دليلا جازما لا يحتاج إثبات على اعتماد هذه الرؤية كمنهج جديد في التعاطي مع ما تمليه المرحلة، إذ تبرهن هذه الخطوة على منعرج جديد في سياسية ولد عبد العزيز وعلاقته بأغلبيته التي استطاعت أن تجعله يشعر بحاجته الماسة إليها في ظرف سياسي دقيق يمر به البلد هذه الأيام، وهو ما أفرزته ضغوطاتها المتتالية التي جعلته يستحضر أنه من غير الحكمة التعامل معها – مرحليا - بنهج الجفاء والإقصاء والتهميش الذي كان معتمدا خلال السنوات الثلاث الماضية. وسواء كانت هذه التعيينات رضوخا لضغوطات لأغلبية أو الاستجابة لمطلبها الملحة والمتمثلة في إشراك فوري لها في اتخاذ القرارات وتحمل جانب من مسؤولية تسيير الدولة، فإن المتأمل يلاحظ أنها ضربة مزدوجة – عصفورين بحجر - فهي من جانب إرضاء للأغلبية ونزولا عند مطالبها ومن جانب آخر هي أيضا محاولة جادة لاحتواء بعض الأزمات في المناطق الداخلية وتحديدا في مناطق نفوذ من شملتهم التعيينات الأخيرة، فتعيين القيادي في حزب عادل الوزير السابق يحي ولد سيد المصطف جاء كشمعة تضيئ سماء مقاطعة كرو بعد أن عاشت في ظلام دامس ولأسابيع معدودة مع ذلك لم يفلح هذا التعيين في لجم الاحتجاجات في المناطق التي يفترض أن نفوذه القبلي فيها له تأثير، ذلك ما أفرزته المظاهرات التي نظمها سكان بلدية كامور في الأيام التالية لتعيينه، ورغم أن تعيينه أذكى فتيل أزمة ثقة داخلية بين بعض قيادات حزب عادل وبين هرم السلطة في موريتانيا حسب ما وصلني من معلومات مؤكدة، لكن لا بأس فبعض الشر أهون من بعض. أما تعيين الشيخ عثمان بن الشيخ أحمد أبي المعالي فهو أيضا محاولة لإسكات ساكنة مقاطعة مكطع لحجار الذي يبدوا أن أصواتهم المطالبة بالماء الشروب أزعجت كثير ساكنة القصر الرمادي، ويبدوا أن تعيينه فشل فشلا ذيعا في تعطيل مسيرة الاحتجاج التي تبدوا في تصاعد مستمر في مدينة مكطع لحجار غير أن العملية الجراحية التي نفذها ولد عبد العزيز كانت غير محسوبة النتائج، كما أنها لم تلفح هي بدورها في لجم سكان المقاطعة عن تجديد مطالبتهم بحقهم في المياة الشروب، كما أن أيضا أفرزت بعض التجاذبات السياسية المحلية تتجلى أبعادها في صراع النفوذ بين الشيخ والنائب في المنطقة. أما تعيين السيدة الناهة منت مكناس فهو مجرد محاولة من النظام لاستدراك توازن سياسي في العاصمة الاقتصادية يكاد يخرج عن السيطرة. في ظل الاستياء الكبير بين ساكنة المقاطعة والاحتجاجات المتلاحقة والتي أربكت اللجنة المنظمة لمهرجان رئيس الجمهورية في المدينة خلال زيارته لها في الأسابيع القليلة الماضية. كما أن الهجرة السياسية العكسية نحو أحزاب سياسية داخل منسقية المعارضة الديمقراطية أزعجت كثيرا رأس النظام مما يوحي أن تعيين منت مكناس ما هو إلا تلافيا للأسوأ في المدينة ومحاولة لتعطيل موسم الهجرة السياسية المعاكسة نحو المعارضة الديمقراطية. من ما سبق ندرك جليا أن ما حصل ما هو إلا محاولة لجبر الخواطر سياسيا ومحليا وتجليات واضحة لممارسة لسلوك التراضي – وإن بصبغة سياسية هذه المرة - مما يوحي أنه سيشهد تطورا ملحوظا من سلوك نادر، إلى ظاهرة مترسخة الجذور في السياسات المستقبلية للرئيس محمد ولد عبد العزيز.
|
