| صراع المكر والحكمة |
| الخميس, 12 أبريل 2012 10:08 |
|
بقلم: عبد الفتاح ولد اعبيدن
لكن الحكمة لا يحسن إطلاقها إلا في مقام التدبير والكيد والمكر الحسن، لأنها في حكم التنزيل خير محض (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا). ويقول أيضا جل شأنه ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ). فالحكمة بهذا المعني التفصيلي انسب لصف المؤمنين والساعين للتغيير الايجابي المسؤول، من مكر ضيق، مقصده الأساسي إبقاء الحال علي حاله، والحفاظ علي الكرسي ومنافعه المعنوية والمادية، ولوعلي حساب المصلحة العامة وان بدت الشعارات الرنانة، رائجة في جانب ( الأغلبية)، حسب ما تدعي أبواق النظام،بأسلوب يحتاج إلي الدليل، لأن الصمت وإن أوله البعض بالقبول والرضا، وقد يكون في زماننا بسبب الخوف على مصالح ضيقة موهومة. هذا إن صح أن الأغلبية الحقيقية مع الحاكم المتغلب الراهن لسبب أو لأخر. وقد قصدت من وراء هذا القول علي سبيل الصراحة والنصح ( للسائرين والمحتجين والمعتصمين بسلم) التنبيه إلي أهلية الخصم لقدر فائق من الحيل والمكر والكيد، عسي أن يسلم من هذه التحركات كلها، وينأى بنفسه ونظامه العسكري الانقلابي عن دائرة الخطر. ولو بعد صراع مرير بينه و الطامعين في التغيير . والمتأمل لتجارب الشعوب الأخرى في سياق ما اصطلح عليه بـ (الربيع العربي) سيقرأ المفهوم نفسه بوضوح، قد يساعد علي توقع ما يدبره عزيز للسلامة من العاصفة القادمة المرتقبة الراجحة. فاحد زعماء المعارضة قال لي في لقاء خاص غير صالح للنشر: "لقد كان الراحل المختار ولد داداه رحمه الله عاجزا عن التخيل"، ويقصد محاوري بعبارته الفرنسية (l’imagination ) القدرة على التوقع والمقارنة بين الايجابيات والسلبيات . فالقائد في نظري هذا، يحتاج إلي هذا المؤهل العقلي، حيث يكون قادرا فعلا علي توقع قدر كبير، من نتائج ما هو مقدم عليه . بل العزيمة لا تكفي أحيانا، دون رؤية ثاقبة للمستقبل المنظور . ويقال فلان ينظر بنور الله، وليس المقصود محض الحاضر المشهود، فهو أكثر انكشافا، وإنما المقصود بعض المستقبل وبعض الغيب المستور المحجوب. إلا عن عاقل حاذق خارق، وملهم مزود - ربانيا و روحيا – بحاسة سادسة أو سابعة، يذعن له المجهول – ولو نسبيا – وتقفز إلي ساحة المستقبل المنظور القادم , فتتفادى بذالك بعض المخاطر والهفوات الكبيرة، بمشيئة الله وعونه . العرافة وغيرها، من طرق التصنت غير المشروع، لأبواب السماء وغيبها المستور المحجوب، ممنوعة علي رأي إسلامي، يشكل اجتماعا مفحما. والدليل مبين مبسوط في محله من كتب الاختصاص، المفصلة لتلك الفتوى و الآراء الإسلامية الناصعة لكن لا مانع عندهم، من الاستخارة والتعامل الدافع المفضي للحذر الايجابي المطلوب . ففي الأثر (ما خاب من استخار، وما ندم من استشار) . وقال تعالي : (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) . وفي هذا الباب أطرقت أياما وسويعات ولحظات متفرقة , فهالني تدبير الحاكم العسكري الانقلابي المتغلب عزيز حتى خلته توفيقا، وما هو بتوفيق، وخلته أحيانا استدراجا، وذالك يقع مع الكافر في أكثر الأحيان , وما هو بكافر. وان وقع الاستدراج مع المسلم الفاسق الظالم , لان الله يمهل ولا يهمل، فغلب علي الظن انه كذالك. والله اعلم . إن عزيز الاختبار الرباني، النازل من السماء إلي الأرض علي رأي البعض , يوم الأربعاء 3 أغسطس 2005 , المتعزز نفوذا أيضا , يوم أربعاء آخر , الموافق لـ 6 أغسطس 2008 ، لم يأت اعتباطا، فما غلب معاوية حارسه، حتى أثخن في الجراح، رغم ما يدعي له أنصاره من ايجابيات وإنجازات. لقد دعا معاوية وزيره السابق للتعليم أبو بكر ولد احمد إلى إلغاء مادة التربية الإسلامية من التعليم , وبعد طلب لقائه من قبل الوزير المذكور، وكثير من النقاش الصعب الهادئ بين الرجلين، كان الاتفاق علي إلغاء الثلثين من وقتها وإبقاء الثلث فحسب. كان وقتها مناخ خصب لدعاوي مكافحة الإرهاب وتجفيف المنابع، بمحاربة الإسلام الدعوي الوسطي , بشتى منابره . فأغلق المعهد السعودي وأغلقت السجون والمخافر علي عشرات الدعاة والوعاظ و(الإسلاميين المؤدلجين) والعلماء من أصحاب الجرأة والرأي الأخر. لكن الانتقام الرباني جاء سريعا وحاسما، ومفجعا للمشفقين علي جهل معاوية، رغم عدم سوء النية أحيانا. فانقلب الحارس (الأمين ) علي ولي نعمته، لا ليثأر لدين الله، وإنما ليثأر لنفسه وزوجه من بعض سقطات حرم الحاكم المخلوع. حسب روايات شخصية عزيزية، لكثيرين التقي بهم علي حدة . (كيف ما تكونوا يول عليكم ) كما ورد في تراثنا الزاخر بالمواعظ والحكم العميقة . فعندما سكتنا أو سكت بعضنا علي الأصح، انقلبت السفينة تقريبا، وماجت وهاجت في أمواج عاتية , مخيفة للعقلاء وأصحاب الألباب والي اليوم. ولكن الذين خرجوا من السجون بعد ظل معاوية، خرجوا اليوم علي اختلاف آرائهم، وخصوصا الإسلاميين , ضد عزيز , الذي تحايل على بعضهم يوما بأنه تحرك لخلاصهم، من أخطاء وبطش الرئيس السابق معاوية. يا سبحان الله انه محض الغموض والتخبط، وقصور الرؤية واضطراب مناخ العقل والفهم , حتى عند الخيرين من ذوي السبق النضالي المشرف. كلهم من ملة واحدة , ومؤسسة واحدة، وصغة واحدة في الحكم العضود العسكري، المستند للقوة والإجبار . فلماذا لا نقطع الحبل مع الماضي إن أمكن بجميع صنوفه وممارساته ومدارسه. أم أن الإقصاء وتصفية الحسابات هو ما يهدد الآن ثورة شعب الكنانة. فخاف العسكر من المدنيين الثائرين فاحتالوا عليهم , في آخر اللحظات، بإدخال بعض رموز النظام الآفل السابق. أم أن المسرح ينبغي أن يفتح للجميع إلا لمن منعته المحاكم بحجة مفحمة ورفضه الشعب المقترع ضمنيا، في وقت لاحق مرتقب، عبر التصويت لنزلاء السجون السابقين، من الدعاة والوطنيين والثوريين ,الذين عابهم إعلام الحكام وأجهزتهم الأمنية التابعة المقهورة. ومن عبر مثل هذه الأجواء خاض صاحبنا اللجاجة حتى وصل إلي الحكم، رغم بعده الظاهري عن التفاصيل, وانشغاله التكتيكي بجانب الحراسة والأمن الرئاسي، أيام معاوية خصوصا وسيد واعل . مثل هذا جدير بالحذر الكثير. ومن يعرف بعض حيله، لا يستغرب إن انهزمت جهود منسقية المعارضة في وجه أساليبه الجامعة بين الترغيب النسبي والترهيب والقمع النسبي والدهاء والمكر الواسع المتنوع المحير (خريج مدرسة ثعلب الصحراء حسب وصف البعض , خصوصا في جانب المكر والتحايل علي الخصوم ) . وأول الواقعين المحتملين في الفخ العزيزي لا قدر الله، سيكون زعيم المعارضة احمد ولد داداه كالمعتاد وإسلاميي "تواصل"، كما حصل في السابق , حين حصل مع جميل وأنصاره , بعد انتخابات 2009 المزورة المذهلة , أيام المعارضة الناصحة، خروجا من وصف المعارضة الناطحة، التي تمتاز قرونها بشيء من المرونة والليونة، قابل للذوبان من جديد في الوعاء العزيزي بطرق أو بأخرى، أو بحجة تغليب النصح علي النطح. لا تأمنوا مكر عزيز معشر رفاق الدرب في وقت سابق ,حتى لا يوقع بكم، من خلال صفوفكم وإثارة الخلاف بينكم لإذهاب قوتكم وريحكم , إن صدق الإطلاق علي وضعكم الحالي . رغم أن التكتل و"تواصل"، قد يكونا أكثر الرابحين من الحقبة القادمة وليس علي الترتيب، بسبب رياح إقليمية وعربية (الربيع العربي) قد تزيد الإسلاميين علي حساب سائر اللاعبين الآخرين. سبحان الله إنها حظوظ السياسة ومناخها وبورصتها، بشرط الثبات الصعب، البعيد المنال . ( وربطنا علي قلوبهم ) آمين. الخصم يملك أدوات كثيرة، إن أحسن اللعب بها كالمعتاد ( والله يمهل ولا يهم) فحين يأتي أمر الله , يذهب السمع والبصر وتثير جميع الحيل والخدع السمعية والبصرية وغيرها . وسيكون شرف الثبات وثمرته، كبير الأثر الايجابي العميق علي الوطن، إن أصر جنود التغيير- المجهولين والمعلومين علي التضحية وقد يتطلب الأمر وقتا أطول – شهورا أو سنوات – حسب الحظ وأجواء الطقس السياسي المحلي والإقليمي والدولي . والأوراق كلها لها دورها حتى السنوسي، وتسارع الأحداث في مشروع ( دولة ازواد) . والجيش وجهاز الأمن – إن لم تكسبه المعارضة المقاطعة للحوار – إلي صفها، لن يتحقق التغيير السلمي سريعا، وقد يكون مكلفا إن وقع متأخرا، كلفة قد تصل –لا قدر الله – حد الفشل أو الخطر العميق علي الوحدة الوطنية الهشة . فليس كل تغيير مطلوب مأمون المخاطر والعواقب. والأجدر بنا جميعا في وجه آخر الابتعاد عن المطالبة بتصفية الحسابات مع النظام المستهدف و أزلامه وحاشيته ورموزه. وليفهم الجميع المقصد والإشارة، قبل فوات الأوان. فمحاكمة مبارك و أجوائها القاسية – رغم مبرراتها الأخلاقية والقانونية من تصرفاته و أولاده وحاشيته – هي السبب في ترشح عمر سليمان وإمكانية التزوير المقصود للانتخابات الرئاسية المنتظرة , وما قد يترتب عليها من إجهاض مباشر للثورة المصرية التاريخية والربيع العربي برمته , لا قدر الله . فلا تسرفوا في المطالبة بمحاكمة عزيز وأعوانه المدنيين والعسكريين. فجيش موريتانيا الانقلابي , في بعض أجنحته وشرائحه ليس الجيش التونسي . وموريتانيا ليست تونس، وإنما هي (موريتانيا) التي تعرفون جميعكم، ولا وطن لكم سواها . فلا تمارسوا سياسة الرد المحروقة، فتلك إن أحرقت بعض المراحل. محرقة في المقابل للوطن كله . ولكل حادث حديث، وكما يقال في المثل الحساني ( كل علب و أكلام ) أي لكل مقام مقال . فعزيز ليس إلا حاكما عسكريا مثل غيره , وان علا خيره أو انخفض شره علي اختلاف رأي الفقراء الوطنيين . وليخرج غير فاتن ولا مفتون، وما سوى ذالك لا يخدم الوطن. ولو سلم بجلده، فالله حسيبه، والشعب في ما بعد المرحلة الانتقالية المتوقعة، فيما بعد رحيله عن الحكم المغتصب، له أن يحاكمه بإنصاف وعدل أو يتركه لأسباب ما تخص القضاء وحده. وعدم المحاسبة أو الحديث عنها، قد لا تعني إتاحة الفرصة للمزيد من الإفساد والاستبداد، لكنها (عدي بيتنا)، وان أغضبت بسطاء الفهم، خلافا لأصحاب التحليل والتوقع الحازم المفعم بالدهاء والحذر الشديد . إن حديث ولد داداه عن الدعوة لمحاكمة ولد عبد العزيز لا معني له، علي رأي أحد أعيان المنسقية في أحاديث خصوصية. فالأمر يقتضي التروي المصاحب للدارسة العميقة النابهة والاستفادة القصوى من التجارب المحلية، في التعامل مع عزيز نفسه وغيره من حكام المنطقة في هذه الحقبة ( الربيعية ) علي وجه الخصوص . لقد كان التونسيون احكم من الجميع، وأحسن حظا في آن واحد: مدنيوهم وعسكريوهم. فلا يفتكم التمعن في الدرس التونسي وربيعه الأقل خسائر من التجارب الأخرى. انه سياق طويل , من الصراع بين الحكمة والمكر وربما نفصله في حلقة أخرى. وقبل الختام تأملوا درس( تكن) فلم يصبر علي قطع الطريق ساعات قليلة , فكيف يصبر علي تهديد حكمه بالزوال، أم انه درس عزيزي في الحيلة والقدرة علي الإيهام بالحسم فيما يتعلق بمصالح الناس الاستعجالية ومبطن برسالة قمع لأهل العاصمة وغيرهم إن أصروا علي الاحتجاج رغم سلميته . فقطع الطريق في نظر البعض , يعتبر مساسا بمصالح الجميع , من جميع أنواع المسافرين , من ذوى الحاجات المختلفة.. أصحاء وأصحاب علل على السواء , وغايات أخري لا تحتمل التأخير . وعموما المسافر مسافر والمقيم مقيم . ( اللهم إني اشكوا إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني علي الناس ) ( اللهم سلم سلم .....) وسلمنا من حيله ومكره , وأخرجنا من هذه الظلمة والحقبة الحرجة , غير فاتنين ولا مفتونين . وخلاصة القول , إن (عزيزنا وصهرنا ) عادته وحيلته في اغلب الحالات، علي خلاف محيطه العائلي، أن يتمسكن قبل لن يتمكن، حتى إذا تمكن أنفذ خطته التي يريد، ورغم ما لحقكم ولحقنا من مكره , فنحن اعلم به , فأكرمونا وأهله الطيبون المسالمون بالسماح بمخرج له غير مهين , والله المعين وهو عليم بالقصد الخالص لوجهه الكريم. فلا هو صهر الشهيد صدام حسين رحمه الله، الذي قتله احتياطا حتى لا تنتشر عدوى الغدر والخيانة , ولا نحن مقتنعين بثقافة الحزم والعقاب الزائد ( الصدامي) علي حساب الرحمة والقيم التقليدية الأصيلة النبيلة . ونحن الجامعة ترجع إلي من تعرفون، ممن أقحموا في السياسة مرات ومرات , لأسباب كثيرة متعددة , موضوعية أحيانا ووثيقة الصلة بتاريخ الموريتانيين جميعا. فلا تتعجلوا معشر بعض القراء في احتساب الأمر , بعيدا عن أخلاقيات المهنة , وإنما هو الإطار المحلي الموريتاني وإكراهاته الضاغطة، دون ذكر الأسماء أو المجموعات القبلية أو العشائرية , بشكل صريح , وفي التلميح كفاية عن التصريح. والرأي عند كثير منهم، إنه صاحبهم وابنهم بالتبني السياسي ولو بوقت سابق وبالمصاهرة المقدسة، قبل أن يستقله عدد محدود من أهله الأصليين، أصحاب الدم والعرق . أقول استطرادا الرأي أن يرحل بصورة سلمية بعيدة فعلا، عن التشفي وتصفية الحسابات الضيقة , وان لزم حسابه فليكن بعد المرحلة الانتقالية كلها بحذافيرها، ولا يقتصر عليه الأمر وحده، بل يشمل سائر الملفات والرؤساء السابقين الأحياء واهم أعوانهم , ومرد ذالك أقولها تكرارا ومرارا إلي قضاء عادل محلي , إن تم الاطمئنان علي حياده وإنصافه , والأولى التسامح وفتح صفحة جديدة بيضاء ناصعة متفائلة دون إفراط أو تفريط , مشرقة بالثقة في الله، والأمل في مستقبل زاهر واعد منقذ، من جميع براثين الماضي، الأليم القلق علي الأقل في بعض مراحله المخفقة الفاشلة |
