| مهلا سيدي الرئيس....أرض المليون شاعر ليست لنا مسبة |
| السبت, 21 أبريل 2012 13:04 |
|
لكن ما لم افهمه ولم استسغه - سيدي الرئيس - بحال من الأحوال، أن تجلس في أحد بساتين القصر الرمادي على ما يبدو، وسط جمع من صحافة بني الأصفر و قد أظهرت نوعا من الارتياح والثقة الزائدين، وإن كنت ترمي من وراء ذلك ربما إلى رفع أسهم ساركوزي ، لتقول وأنت تبسم وبلغة استعمارية ساخرة "إن موريتانيا كما تعلمون أرض المليون شاعر وهذه هي المأساة" ليبادلك ضيوفك الابتسامة التي لا يخفي ما تحمله من خبث حضاري، وكأن فخر الشعب الموريتاني وتاجه الذي بوأه المكانة السامية بين العرب والعجم قديما وحديثا هان إلى الحد الذي جعلك وضيوفك تتخذون منه لنا مسبة . سيدي الرئيس إنني إن افترضت ولو جدلا، أن سخريتك هذه ليست عن سوء نية ، وإن كان المقام لا يشفع لمثل هذا الفهم ، خاصة وأنك أمام صحافة فرنسية ، والصحافة لعلمكم الكريم سيدي الرئيس اختصاص أدبي، وفرنسا هي التي يقول شاعرها " فرنسا أم الفنون والرجال والقوانين" فقدم الفنون على الرجال و القوانين، والفنون لعلمكم سيدي الرئيس يأتي في مقدمتها الأدب أو لا تكون، لو افترضت ذلك إذن فإن هذا الخطأ لا يمكن تبريره بحال. صحيح سيدي الرئيس أنكم لستم أدباء، ولا يبدو أنكم تطمحون لذلك في المستقبل المنظور على الأقل ، وصحيح كذلك أن سحر البيان وحكمة الشعر اللذين أشاد بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يعنيان لكم الشيء الكثير، ظهر ذلك جليا في خطاب انواذيبو عند ما بلغ سحركم البياني ذروته، فتهكمتم على سمت الأنبياء و الرسل والصالحين ، وربطتموه بالكذب، وعندما نفضتم كنانة حكمتكم لتبوئوا موريتانيا مكانتها اللائقة بها كمنارة إشعاع ثقافي إسلامي في غرب إفريقيا، فكان إقدامكم على إغلاق اكبر و أعرق مؤسسة إسلامية بالبلد، حرصا منكم على نجاح جامعة لعيون وكأنهما محرمتا الجمع. صحيح كذلكم سيدي الرئيس أنكم لستم أدباء ، عندما قللتم من قيمة القانون لأن القانون سيدي الرئيس يعني عصارة ما وصل إليه الفكر البشري من التقيد بالنظم و الالتزام بالضوابط التي من شأنها تحديد مدى استقامة التصرف من عدمها ، و انتم سيدي الرئيس لا تريدون ذلك ، ظهر ذلك بشكل واضح في سطوكم على الشرعية الدستورية ضحوة من نهار، واختطافكم سفينة البلد إلى المجهول، وفي تملصكم من مقتضيات اتفاق دكار بعد ذلك، وأخيرا في عبثكم بالدستور من طرف برلمان فاقد للشرعية، ومع ذلك فإن كل ما فعلتموه من تحد للقانون وتجاوز له قليل في حقه لأنه اختصاص أدبي. وصحيح كذلكم أنكم لستم أدباء عندما اعتبرتم الاقتصاد اختصاصا أدبيا، واستخففتم بما أنتجته العقول و التجارب البشرية خلال التاريخ الإنساني، لتخضعوا اقتصادنا الوطني لمقاربة اقتصادية جديدة، لا شرقية ولا غربية غير أن زيت شجرتها لا يضيء و إنما هي من نتاج العبقرية الموريتانية ،أرض الفني الأوحد هذه المرة و ليست ارض المليون شاعر. حاصل هذه المقاربة إذن أن يكون صاحبها هو القطب الذي تدور حوله العملية الاقتصادية برمتها و كل من ابتعد عنه و لو بالشيء اليسير فقد مداره في الدورة الاقتصادية بشكل تلقائي، و كل من وضع علامة استفهام أمام جدوائية هذه المقاربة غير جدير بالاهتمام لأن اختصاصه أدبي. سيدي الرئيس اسمحوا لي أن أبوح لكم بسر قد لا يبوح به لكم كثيرون ممن حولكم، لأنهم قد يكونوا جالسوا الأدباء يوما، ألا و هو أن موريتانيا أرض المليون شاعر فعلا، و أن هذه الميزة جعلت شعبها أديبا بطبعه، و أن من أراد أن يغير هذه الميزة، ليصبح شعبا غير أديب، لتأتي اللحظة التي يطلق علينا فيها أرض المليون غير شاعر، إن صح التعبير ينبغي على سيدي الرئيس أن ينطلق من مسلمة تربوية مفادها أن من أراد إقناع الناس عليه أن يخاطبهم بما يفهمون ، و هذا سيدي الرئيس يحتم عليكم أن تتكلفوا الجهد و تتحملوا العناء ، ليس لشد لولب أو فكه هذه المرة و إنما لمعرفة كيفية شد انتباه الناس لما تريدون وتفكيك قناعاتهم بما لستم فيه راغبون، بأسلوب أدبي أخاذ يفعل فيهم ذلك الفعل السحري الذي فعله شعر ولد رازكة في السلطان محمد العالم بن المولى إسماعيل فأنشأ يقرظه بقوله: أتانا من قرى شنقيط شعر تعالى فوق سحر الساحرينا يقصر شعرنا عنه لو أنا بعثنا في المدائن حاشرينا اعلم سيدي الرئيس أن هذه المهمة صعبة لأن شقتها قد تكون أبعد مما كنتم له حاسبون، لكن ذلك كله قد يهون في سبيل تحقيق حلمكم الكبير الهادف إلى إخماد أي صوت أدبي يمكن أن يحاكي في ثورته البشرية الهادرة ، زمجرة الرعود الصاعقة، أو هدير الأمواج العاتية، أو صفير العواصف الهوج، إيذانا بمحو تلك الأشعار المزعجة المحفورة في أذهان الشعوب الشاعرة من قبيل: زمان الفرد يا فرعون و لى و دالت دولة المتجبرينا و أصبحت الرعاة بكل أرض على حكم الرعية نازلينا سيدي الرئيس اسمحوا لي أن أبوح لكم بسر أخطر من ذي قبل، ألا و هو أن نجاحكم في هذه المهمة – مهمة تغيير ميزة أهل هذه الأرض – يمر حتما بأن تكونوا أدباء و لو إلى حين. و عندما تنموا لديكم الذائقة الأدبية ، ستفهمون دون عناء كبير ربما إلى ما يشير ابن بون بقوله : و نحن ركب من الأشراف منتظم أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا قد اتخذنا ظهور العيس مدرســــة بها نبين دين الله تبيــــانـــــا و كيف أن اعتداده بنفسه و احتفاءه بقومه و إشادته بدورهم الريادي ليس آتيا قطعا من كثرة هدير الماكنات من حوله ، و لا حتى من فراهة السيارة التي يمتطيها، ولا حتى من شدة انبهاره بنظرات الرضى من بني الأصفر، و إنما هو آت بالأساس من إحساسه بعمق الإنتماء لأمته و قناعته الراسخة بأنه سيصبح أتفه من سقط المتاع إن هو لم يقم وزنا لدينه و تاريخه و حضارته. سيدي الرئيس إذا أنتم تذوقتم الأدب ، و الشعر منه بخاصة ،وتبين لكم ربما أن تغيير ميزة أهل هذه الأرض، قد يتطلب وقتا سيكون على الأرجح أطول من قامة رجل أو رجال مجتمعين ، فلا بأس في سبيل تقصير المدة المطلوبة ، أن تحاولوا كتابة الشعر، على الأقل لتحقيق الاكتفاء الذاتي ما دمتم أصبحتم أدباء . عندئذ سيدي الرئيس ستكتشفون أنكم تتمتعون بموهبة شعرية عز نظيرها في هذا العصر، لم لا و أنتم من سعة خيالكم الشعري قل أن تفعلوا ما تقولون، أو بالأحرى أن تقولوا ما تفعلون... |
