| إدانـة الجُرم ورفـض الظُلـم |
| الأربعاء, 02 مايو 2012 15:49 |
|
الحسين ولد محمد ولد جنجين hossaine_81@yahoo.fr إخوتي وزملائي ممن يتتبع ويهتم بالشأن الموريتاني،دعُونا نقف على وقع أحداث المَحْرقَة الأخيرة التي أقدم عليها المناضل الحقوقي بيرام ولد الداه ولد اعبيدى لكي نضعها في سياقها العام ونُناقشها بكل تجردٍ وبُعْدٍ عن الانتماءات الضيغة والفؤوية المفرطة... صحيح أن بيرام أخطأ في المساس بالمقدسات الدينية والثوابت الوطنية لكن .. لنضع الموضوع على بساط النقاش بكل موضوعية بشيء من التشخيص لعلنا نقف على بعض أسراره وخفاياه، والدوافع من وراءه... قد أتفق معكم في شجب وإدانة واستنكار الفعل الذي قام به بيرام؛... و بـدءً في الملاحظة نقف عند ما ورد في مضمون أن بيرام أفتى يومه هذا بأن الفقه المالكي مخالف للشرع، فهو ليس بالأمر الصحيح فبرام مهما بلغ به الأمر من ضيق الباع وقلة الإطلاع لا يمكن أن يفتي بمخالفة الفقه المالكي لمقتضيات الشرع....وإنما ذكر أن النصوص يجب أن تُفَسَر بصحيح العبارة لا بمغالطتها... لكن سبق أيضا وأن هـَمَ شخص مَـرْمُوقٌ في البلد بتحويل المساجد إلى مخابز، وكان وقت ذلك وزيرًا.... وحينئذ لم يتحرك ساكن، رغم أن الأمر يمس من مشاعر المسلمين ومقدساتها... وهو فعلاً من الإخوة (البيظان)...!!! اليوم تأتي حادثة المحرقة على إثر الحديث عن موضوع ربما هو قديم قدم الإنسان الموريتاني ومع ذلك، لم يجد نصيبة من العناية بقدر من التشخيص والكفاية، ألا وهو موضوع الاسترقاق... فصحيح أن الإسلام جاء والرق منتشر، والاسترقاق مألوف مشروع بين الدول، فاعتبر الرق سلبًا لأهم خصائص الإنسان وهي الحرية، فوقف من موقفًا حاسما؛ إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل استأجر أجيرًا استوفى عَمَلَُهُ ظَلَمَهُ أجرَه، ورجل باع حُرًا فأكل ثمنه))، رواه مسلم. فاعتبر المسترٍق مجرمًا واسترقاق الحر ممنوعًا، فوقف من الرقيق القائم موقف التنظيم وسد الأبواب التي يُسْترقُ منها الإنسان، وفتح أبوابًا من التشريعات لتحرير الرقيق: من حنث في يمينه، أو ظاهر من امرأته، أو قتل خطأً إنسانًا آخر، أو أفطر عمدا في رمضان، فعليه أن يكفر عن ذنب من هذه بعتقُ رقبة أي: تحرير عبدٍ، وكثيرا ما حُرٍرَ الألوف من العبيد لكثرة الخطائين التوابين. ووضع الأحكام الشرعية الكثيرة التي ترفع من إنسانية الرقيق، ومنع المعاملة السيئة لهم، قال صلى الله عليه وسلم: (( إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم مالا يطيقون؛ فإذا كلفتموهم فأعينوهم فإنهم لحم ودم مثلكم ))، رواه البخاري، وقال: (( لا تقل عبدي وأمتي ولكن قل فتاي وفتاتي))، رواه مسلم. وزاد في تكريمه أن خفَفَ العقوبة التي تجب عليه إلى النصف من عقوبة الحر، وجعل له حق التعلم والتعليم والتصدر للفتيا والتدريس، كما جعل له الحق في الاجتهاد وتولي الأعمال المهمة ولو كان رقيقا لم يتحرر بعد. ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك: عطاء بن أبي رباح مفتي الناس بالحج بأمرٍ من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وابن سيرين عالم المدينة المنورة، وعكرمة مولى عبدالله بن العباس، ونافع مولى عبد الله بن عمر، وكافور الإخشيدي حاكم مصر، و قراقوش نائب السلطان صلاح الدين الأيوبي على مصر، والمماليك البحرية والبرجية الذين أسسوا دولة المماليك في مصر والشام والذين صَدُوا التتار عن بلاد الشام و مصر وقادوا الجيوش وساسوا الناس، وقبٍل المسلمون حُكمَهم وسلطانهم، وفي طليعتهم طارق بن زياد فاتح الأندلس في عهد الولد بن عبد الملك الخليفة الأموي في صدر الاسلام. من هنا نستطيع القول أن الإسلام وضع الأحكام لتنظيم الرقيق الموجود، وشرع الأحكام المؤدية إلى انتهاء الرقيق، وسد جميع الأبواب المؤدية إلى الاسترقاق إلا باب المعاملة بالمثل، قال تعالى:: (( وًإنْ عَاقبْتُم فعًاقبُوا بِمِثلِ مَا عُوقبتُم)) [ النحل: 126 ]، وبيَن أن الأمثل هو التحرير من غير مقابل أو التحرير مقابل مال يدفعه الرقيق ويسمَى بـ (المكاتب)، لأنه كاتَبَ سيده على مال ليعتقه، أو التحرير بتبادل الأسرى. هذا وكان موقف النبي صلى الله عليه وسلم من سبي هوازن، وأسرى بدر بني المصطلق وغيرهم المَنَ والإعْتاق، وقد انسد الباب الذي منه الإسترقاق وهو المعاملة بالمثل؛ لأن القانون الدولي منع الإسترقاق والاتجار بالرقيق في مؤتمر بروكسل عام (1890م ). يكون منع الاسترقاق شرعًا واجب على الصورة التي بيناها وغيرها وسوء المعاملة، هذه الصورة التي حرمها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (( لا يدخل الجنة سِيِئ الملكة))[1]. أي: سيئ المعاملة مع الرقيق. وعموما فإن قضية الإسترقاق لازالت ضاربة جذورها في البلاد الموريتانية... أٌٌعدت النصوص المجرمة للظاهرة لكن لم تجد تطبيقًـا عمليًا لحد الآن ولا حملة تحسيسية واحدة مصاحبة لها تبين خطورة الظاهرة والعقوبات المترتبة عن الاستعباد لحد الآن... ومازالت آثار الظاهرة من ظلم وتنكيل وتهميش وإقصاء، والتمادي في سياسة التجهيل أمور تنخر جسم ومؤسسات البلد... فأين نحن من ظلم الإخوة(البيظان)؟ ... لماذا لا نجد سبيلا لنقاش الموضوع وطرح حلول ناجعة؟... وإذا صرفنا النظر في حقيقة الأمر رغم استهجاننا وإدانتنا واستنكارنا له قد نجد في ذلك خفايا ربما لن ندركها إلا بعد حين... وربما يكون كذلك لفت أنظار الأمة والرأي العام عن ويلات ومآسي الشعب... من جفاف ومجاعة وفساد في الأرض... ومطالبة بإسقاط النظام وغير ذلك حاضرا... و لا أستغرب حضور مهندسين للعملية ممن كانوا شهود عيان وغيرهم، وربما منبينهم من يسمونه أبو مدين ولد أبات وأعوانه... ولعل من باب أحرى شَرَكٌ نُصِبَ بتخطيط وهندسة مُحْكمة وأُسْقِطَ فيه بيرام للفتِ أنظار الشعب الموريتاني عن الأزمة الراهنة و إخفاقات النظام. أو رُبَمَا يعود الأمر كذلك إلى بعض جزئيات السياسة الميكافيلية التي أحيانًا ما ينتهجها بعض الحكام في حالات سد الذريعة اعتمادً على مبدأ وسياسة "أَشْغِلْهُمْ في أِنْفُسهم"... ورغم ذلك لا أمانع من توفير محاكمة عادلة لمرتكبي العملية على أسس سليمة... ولكن يبقى رفع ظلم الإخوة (البيظان) مطلبًا رئيسيًا لشريحة عريضة من المجتمع الموريتاني (لحراطين)، تعاني الإقصاء والتهميش والتمادي في سياسة التجهيل... زيادة على ذلك حدث في الأيام القليلة الماضية سَحْلُ النساءِ وضربهم، وضرب الطلاب في جامعة انواكشوط وعسكرتها، وفي مقابل ذلك لم يتلقى لهم الرئيس لإدانة واستنكار بطش الشرطة بالطلبة والطالبات... وإن كان بيرام سقط بين ظلم الإخوة وشراك النظام لا يمنعنا ذلك من الاستمامة في الدفاع والمطالبة بحقوق متساوية معهم في بلد إسلامي تتناغم فيه الألوان وتتعدد فيه الأعراق... فنحن مجتمع يدين الجٌرم ويرفض الظٌلم. فلا تعرف المجتمعات – أي مجتمع كان – التعايش، في أمن وسلام، ولا تذوق نعمة الاستقرار والنمو والازدهار، إلا إذا عم العدل جميع ربوعها وساد كافة أفرادها، فأمنوا على أنفسهم وعقائدهم وأعراضهم وأموالهم وحرياتهم. إذا صح أن الظلم ظاهرة بشرية، كما قال الشاعر المتبني: والظلم من شيم النفوس فإن تجده & ذا عفــة فلعلـة لا يظلــم أو كما قال علماء النفس، تتصارع داخل النفس البشرية نزعتان: نزعة للخير ونزعة للشر، وأن نزعة الشر كثيرا ما تطغى على نزعة الخير، كما يشهد به الواقع على مد الدهور والعصور، وفي جميع الأقطار والأمصار، لذلك كان ضروريا أن تلجأ المجتمعات إلى إقامة العدل في ربوعها بالضرب على أيدي الظالمين، وإنصاف المظلومين، ومحاربة كل فساد في الأرض، لضمان حياة عيش رغد، وحياة آمنة مطمئنة ومستقرة، منتجة ومبدعة، وذلك عن طريق إنشاء مؤسسات يعهد إ‘ليها بالاضطلاع بتلك المسؤوليات الجسيمة التي لا تستقيم الحياة بدونها. فقد عرف النظام الإسلامي، كغيره من الأنظمة العالمية منذ عصوره الأولى عدة مؤسسات تختلف في أشكالها وأسمائها والمهام المنوطة بها، ولكنها تتفق كلها على الهدف المتوخى منها، وهو إقامة العدل، والضرب على أيدي الظالمين، وإنصاف المظلومين، وتخليق الحياة العامة ـ وتطهيرها من كل أشكال الفساد. و لعلنا في هذا الصدد على سبيل المثال لا للحصر نُورد مثال النموذج المغربي الذي أحيى "ولاية المظالم"، التي عرفها النظام الإسلامي سابقا. وذلك من خلال إحداث مؤسسة تعنى برفع المظالم بموجب الظهير الشريف رقم: 1 .01 .298 الصادر بتاريخ 23 رمضان 1422هـ (09/12/2001م) تحت إسم " ديوان المظالم". فهل النظام الموريتاني بإعلانه الحرب على الفساد والمفسدين سَيَحْذو فعلاً حَذْوَ النموذج السابق بإقامة مؤسسة للمظالم لإحقاق الحق والضرب على أيدى الظالمين، وإنصاف المظلومين؟؟!!!... دَعُونَا ننتظر لننتصر للحق... وللحديث بقية حتى تٌرفع المظالم..!!! [1] - رواه مسلم في صحيحه، وأحمد بن حنبل في مسنده
|
