طرح العمامة عن راس برامه
الخميس, 10 مايو 2012 17:26

 

قبل أسبوعين أقدم الناشط الحقوقي برامه ولد الداه ولد اعبيدي على خطوة استفزازية غريبة على مجتمعنا الشنقيطي المحافظ ,تمثلت في قيامه برق بعض كتب الفقه الإسلامي ,وكان فعلا شائنا يريد من خلاله الربط بين مشكل الاسترقاق المدان كظاهرة اجتماعية مرفوضة في شكلها التاريخي والنمطي ,المتسيب وغير المنضبط ,وبين التراث الفقهي الإسلامي.

ولا شك أن حرق الكتب الفقهية هي بداية نواة لمشروع فتنة مجتمعية ,يراد لها  أن يشب ضرامها ويلتهم الجميع ,بما فيهم برامه نفسه وأصحاب القضية العادلةالذين افتات عليهم بهذا التصرف الفاضح .

 ويبدوا أن برامه كان يتوخى هذا الهدف في فعلته بغض النظر عما يستتبع ذلك من النتائج غير المحسوبة العواقب.

فالكتب ـ حسب التجارب التاريخية عبر العصورـ  لم يكن حرقها يوما من الأيام رمزا للحرية والانعتاق ,وإنما كان يحيل على ضرب من البربرية والغوغائية والسلوك الهمجي المتأصل في شخصية الفاعل.

فالكتب رمز العطاء العلمي والفكري ,والسمو الأخلاقي ,والسلوك الفاضل والترقي الى رتبة الكمالات.

ولم يحرق الكتب في التاريخ انتقاما من محتواها العلمي الا من سجل الرقم القياسي في التخلف والعنصرية والغطرسة والتعصب المقيت ,ولا تزال المكتبة الإسلامية اليوم تعاني من آثار " المحرقة " الحقيقية للعلم والثقافة ,التي استهدفت التراث العلمي الإسلامي والإنساني بشكل عام وأضاعت يراع العلماء ,وحرمت منه البشرية.

وأود هنا تسجيل بعض الملاحظات بهذا الصدد أرى من المهم التنويه إليها في هذا الظرف التاريخي العصيب الذي يمر به بلدنا الحبيب ,الذي لا يدرك أهمية الحفاظ عليه والذود عن حياضه الا المغتربون الذين علموا حق العلم أنه ليس لهم وطن سواه.

 

الملاحظة الأولى:

هي التأكيد على أن قضية العبودية والاسترقاق كانت في موريتانيا ـ كما في غيرها من البلدان العالمية الأخرى ـ مشكلة اجتماعية واقتصادية ,تدرجت تاريخيا وتفاقمت شيئا فشيئا ـ كأي ظاهرة اجتماعية ـ ولم يطلب لها شهود من الفقهاء ولم تكن أزمة تشريعية بكل المقاييس,بل هي مشكلة أملتها ظروف تاريخية واعتبارات اجتماعية مختلفة ,ولم يستشر فيها الدينالإسلامي ولم يأخذ رأيه فيها,بل كتنت سابقة عليه لكنه هو الذي كرس لها مجموعة من الحلول التشريعية والاقتصادية والاجتماعية حتى يقضي عليها بشكل متدرج كظاهر اجتماعية مستفحلة في المجتمع يراد القضاء عليها بشكل نهائي في المستقبل.

وهي في بلدنا ( موريتانيا ) إحدى المظالم الكثيرة التي طالت العديدة من أطياف مجتمعه ,ووزعت عليهم بعدالة لا حيف فيها,نال كل أحد نصيبه الوافر منها ,فعمت الأبيض والأسود ,والحر والعبد  ,والذكر والأنثى على حد السواء ,وكان ذلك في ظل فتنة كريهة "عمياء" كان فيها صوت العلماء جهوريا ولكن دخانها كان يحجب رؤيتهم ويخنق أصواتهم المبحوحة التي براها الظلم والحيف وقلة النصير.

الملاحظة الثانية:

أن " دم الحرية والانعتاق " قد تفرق منذ القديم في الأزمنة والأمكنة وبين الطوائف والقبائل ,ولم يكن أحد من الحاضرين اليوم  يريد له أن " يُطَل " ويذهب سدى , ومع ذلك نعتقد أن  ولي دم الحرية والعدالة والانعتاق والقائم بدعوتها ليس هو برامه ولد الداه ,الذي لم يكن سوى راكب للموج وحامل لقميص عثمان ـ رضي الله عنه ـ و"مفقس" لبيض غيره ,وتلك حيلة الغراب الأعصم والثعلب الأدهم لا حيلة أصحاب القضايا الحقيقية العادلة فكان عليه أن يقرأ حكم "التبني" قبل حرق الكتب.

إن أولياء الدم الحقيقيين هم من يعرف أن هذه مظالم تاريخية هي لون من المظالم التي عرفتها بلاد السيبة ,وطالت كافة الفئات الاجتماعية بدون استثناء وإن كان الإخوة الأرقاء السابقون قد نالوا منها الحظ الأكبر والنصيب المعتبر.

 فلا معنى للنبشاليوم " بأثر رجعي" وطريقة "رجعية" ووسائل رجعية عن ملف قضية متقادمة سجلت ضد مجهول ,الا  محاكمة الأضرحة والنصب ,وكفى بذلك سفها وطيشا.

 فلنوجه عزمنا نحو الآتي ولا نلفتجيدا  إلى الماضي الا بقدر ما نأخذ منه العبر لتأسيس مستقبلنا على أساس سليم وقاعدة متينة ,فتوقف لحظة مشي ساعة ولولا توقف الأرنب لما جارتها الكلاب.

فلا نجعل من قضية العبودية ـ وهي مشكلة لها آثار سيئة يجب القضاء عليهاـ لا نجعلها قضية سياسية استهلاكية ,لأن القضايا الاستهلاكية لا يراد لها الحل ,بل هي مركب سهل للأطماع الخاصة وطريق سالك للوظائف والترقي في المناصب ,وهذا شأن ما يراد له الاستمرار والاستقرار,لا ما  يراد له الحل وعدم التكرار,لأن العاملين عليها تصيرت بالنسبة لهم قضية مصلحية مادة بحته " يؤكل منها العيش " على لغة قوم فنهايتها نهاية لأرزاقهم غير الطيبة.

وليس برامه هو صاحب الحق وإنما تسور على القضية ,وندب لها نفسه عن فضول بين ,فكان متبرجا لغير خاطب ومحاميا فاشلا عن قضية عادلة ,ولم يكن عليها بالمؤتمن ,فرافع بلا توكيل ,ضد مجهولين ,في غياب الأدلة والشهود ,وتقادم من الزمن ,وتغير الظروف والأحوال ,وتبدل الحيز الإقليمي ,فخسر القضية لرفض الدعوى شكلا ومضمونا.

 

الملاحظة الثالثة:

إن مسالة العبودية وآثارها التاريخية والاجتماعية يجب علاجها بعيدا عن المزايدات الشخصية  والمهاترات السياسة ,فهي مشكلة اجتماعية وتاريخية واقتصادية  بحته ,تحل وفق ضوابط ومعايير واضحة في جو من المسؤولية التامة ,بعيدا عن الاستغلال المغرض لها ,ولا تجعل مركبا ذلولا وطريقا سالكا للقصر الرمادي ودغدغة العواطف و تظل تراوح مكانها بدون أي تقدم على طريق الحل فتلك مجازفة غير مسؤولة ,وتكسب سياسي غير أخلاقي,فلنقض على الأسباب الجذرية للأزمة من خلال:

أولا:القضاء على الفقر بوضع خطة اقتصادية جادة وواقعية تستهدف حل مشكل الفقر والعوز المسؤولة عن تفاقم الكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية ومنها ظاهر العبودية قديما ,وعدم التغلب على آثارها السيئة في الوقت الراهن.

ثانيا:تفعيل النصوص القضائية والتشريعية للقضاء على أي مظهر من مظاهر الرق المفترض ,والذي أعتقد ـ بحكم معرفتي لبلدي ـ أنه لم يعد يشكل ظاهرة وإن وجدت منه بعض الحالات النادرة التي قد يساء فهمها و توصيفها وتكيفها جهلا لطبيعة المجتمع ,أو تجاهلا لها لغرض من الأغراض الحاملة على ذلك.

ثالثا: تقوية الروابط الأخوية وإحياء روح التكافل الاجتماعي الذي كان عامل إنقاذلمجتمعنا في الماضي ضد ظروف الجفاف والمحن الصعبة فلم يظهر فيه من الحاجة والمجاعة ما كان في غير من المجتمعات التي كان ينقصها هذا التكافل الرائع الذي عرف به بلدنا.

رابعا:إعطاء الأولوية لنشر العلم والمعارف وتبديد ظلمة الجهل بنور الحكمة وقراء الكتب واحترامها بدلا من حرقها ,حتى ننور شعبنا ونجعل منه شعبا واعيا لمشاكله وقضاياه المصيرية وليس إمعة يمشي خلف كل ناعق ,ولن يكون ذلك الا بالتعلم فهو الحصانة له ممن يريد اللعب بمصيره وإشعال ضرام الفتنة بين مختلف  فئاته.

وهناك في البلد مؤسسات محترمة أعرفها عن قرب قد قطعت شوطا كبيرا على هذا الطريق بفضل جهود جنود أخفياء وشباب أوفياء سخروا أوقاتهم وطاقاتهم وحملوا كتبهم  ليصلوا إلى عمق " اقصور افلان " و" أحياء آدواب " حاملين معهم العلم ,ينشرون الخير ويبددون ظلام الجهل ممتثلين أمر " المبعوث لسائر الأمم" لا يريدون في مقابل ذلك جزاء ولا شكورا.

وأذكر أنني والحمد لله قد جلست الشهور بين إخوتي في " آدواب " أعلمهم كبارا وصغارا ,ووجدتهم نعم القوم هم خلقا واستعدادا ,ولم أكن يومها أرى برامه ولا أسمع له همسا ,ومع ذلك كنت أعرف أنه  قادم إلينا  لا محالة لأن " المنصرين" كانوا في ذهاب وجيئة ,يدسون الفرقة  والسموم ويبحثون عن نقاط الضعف في المجتمع الطيب المسالم حتى إذا حان وقت الحصاد المشؤوم سلموا " الولاعة " وُبطُل البنزين" للوكلاء غير الشرعيين ,لإشعال نار الفتنة فاليوم حرق الكتب وغدا حرق ماذا ..؟ حرق وطن بأكمله: الكتاب والمكتوب والكاتب والمكتوب له والمكتوب اليه !!

الملاحظة الرابعة:

علينا أن نمتثل قول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " دعوها فإنها منتنة " أي الجاهلية ,ودعوى الجاهلية وقولهـ صلى الله عليه وسلم ـ الناس سواسية ... الحديث وقولهـ صلى الله عليه وسلم ـ : لينتهين أقوام عن الفخر بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعالين أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

على هذا المسار النبوي القويم نمضي ... نحدد الوجهة.. ونرسم الهدف ونطهر ألسنتنا من الكذب و القال والقيل ," وهل  يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم الا حصائد ألسنتهم" ؟ ,ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ..

أذكر بهذه الضوابط ـ وإن كان الكثير منكم إخوتي القراء يعرفها ـ لأ نه يجري على ألسنتنا ـ في الخارج وفي الداخل ـ الكثير مما لا فائدة فيه ,وضره أكبر من نفعه ,وهو بقية من ترسبات الماضي ,وثقافة التخلف التي لا تجدي اليوم ولم تجد بالأمس ,ولن تجد غدا الا مزيدا من التفرقة والشقاق ,فالكف عنها أسلم وهي بلا شك  من الكلام الذي يقوله الشخص لا يلقي له بالا يهوي به النار سبعين خريفا أعاذننا الله وإياكم منها .

وأخيرا هذه ملاحظات حداني إلى كتابتها حادي المحبة ,ودعاني اليها داعي الحرص على بلدي بلد الأحبة  من الانزلاق ـ لا قدر الله ـ في أتون معركة لا تحمد عقباها ,فها أنا أسجلها من بلاد الغربة ,وقد طال عهدي بالكتابة وكسرت يراعي بعد انصرام الدولة "المعاوية " وهبوب نسمات الحرية ,ولكن أعود اليوم الى الميدان لأدلي بدلوي بين الخلان ,فهذا أوان امتياح الرأي المعقول ,ونزف جمام العقول ليخرج الصواب ,ولطالما لزمت الصمت وقلت: "المكفى سعيد" و"المعطى كفا يكتفي" ,ولكن توجب جلاء ما أرى فيه الحق والصواب لأن الساكت عن الحق متكلم بالباطل.

فعلينا جميعا أن نعمل من أجل أن نعيش شعبا واحدا متراحما مسالما ,يتحلى بالحكمة والرزانة وحسن التصرف والتدبير ,جاعلين لطموحاتنا السياسية والمصلحية حدا تنتهي إلية حينما يتعلق الأمر بتهديد وحدتنا الوطنية وتفكيك نسيجنا الاجتماعي,فهي فوق كل اعتبار ...

وعندها يمكن أن نسحب البساط من تحت أرجل برامة وأعوانه ,ونطرح العامة من على رأسه ,فلا يجد مبررا لإشعال نار الفتنة  بينا ,ونكمم فاهه ,فيعوي ولا يعض ,ويصرخ فيرتد إليه الصدى فلا يهش له أحد ,ولا يطرب له سامع ,ويرتد كيده الى نحره ,وتنفك شفرة طلا سمه ,وينقلب السحر على الساحر ببركة دخان حبر العلماء.

 

الكاتب: الطالب ولد المجتبى ( العنقري ).

طالب دراسات عليا بدولة الكويت.

بتاريخ :10/ 05 / 2012 م.

 

 

طرح العمامة عن راس برامه

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox