المفيد المختصر في قصة حرق المختصر
السبت, 12 مايو 2012 13:09

 

الكاتب: الطالب ولد المجتبى (العنقري) طالب دراسات عليا بالكويت

لم يكن أبو المودة وهو يلبس جي الجند ويجد في الخدمة , وفي نفس الوقت يجتهد في العطاء العلمي لم يكن يدور بخلد ولا يخطر بباله أن مختصرة الذي تعب عليه عقودا من الزمن حتى صنفه وأخرجه للعالم بعد أن خدم العلم بـ" التوضيح" للأمهات " الحاجبية " لم يكن يعلم أن هذا المختصر المتميز في نهجه والمتفرد في أسلوبه , وهو مفخرة المذهب الذي عجز الكثير عن تقليده والنسج على منواله ومحاكاته سيحرق على أي صعيد , بله ضفاف شنقيط أرض المنارة والرباط,  موطن العلم والعلماء , رمز المحبة والسلام , رباط ابن ياسين وخزانة العلم وقبة الفقه , بلاد المدونة والرسالة والتهذيب والمختصر وو....

كما لم يكن برامه ولد الداه ولد اعبيد وهو يحرق المختصر ونظائره من أمهات الكتب العلمية لم يكن يعلم أنه كان في الحقيقة يحرق نفسه ولم يكن يحرق الكتب التي لا يزيدها الحرق الا إجلالا وإعظاما.

إذا ارتحلت عن قوم وقد قدروا

***

أن لا تفارقهم فالراحلون هم.

 

ولعل هذا الفعل يشكل لفتة إلى ضرورة الاهتمام بالعلم وحفظ متونه في الصدور:

فإن يحرق القرطاس لا يحرق الذي

***

تضمنه القرطاس بل هو في صدري

 

لقد ضاق أفق برامة بعدما ضاق صدره فأقدم على خطوة استفزازية غير محسوبة العواقب لم يفكر في آثرها الوخيمة عليه وعلى القضية التي يتبناها على حد زعمه, وقديما قيل: "على اهلها جنت براقش".

 ولو فكر قليلا أو حظي بمُسكة عقل أو أثارة من علم لعلم علم اليقين أن الإسلام في أصوله وفروعه في عقيدته وشريعته لم يكن يوما من الأيام دافعا للرق  والاسترقاق بل كان متشوفا للحرية , عاملا على اطراد قواعدها بلا انخرام , حتى عدل بالكثير من القواعد عن نظائرها بسبب تشوف الشارع إلى الحرية فلو قتل العبد المدبر أوأم الولد سيدها استعجالا للحرية فعلى أصل القاعدة لا يمضي لهما ما قصدا إليه , ويعاقب بنقيض قصدهما ولكن انخرمت هذه القاعدة في لعتق و الحرية لتشوف الشارع لها وحثه عليها وهذا مثال ذكرناه استطرادا فليس حديثنا عن الآن هذا الجانب المشرق من الأصول الفقهية.

لقدعمل الإسلام على استئصال ظاهرة العبودية وتجفيف منابعها والقضاء على جذوها , وفي القرآن والسنة وكلام الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ ما يسند هذا القول من النصوص المؤسسة للقضاء على أصل استغلال الإنسان لأخيه الإنسان مما لا يحتاج للمزيد لشهرته وتداوله.

وإذا كانت سلوكيات بعض المنتسبين للفقه لا تجري هذا المنهج الرباني الواضح ولا تحتفي بالحرية والانعتاق كما احتفي بها هذا الدين الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور , ومن جور الأديان الى عدل الإسلام , ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعتها إذا كان لا يمشي وفق هذه الرؤية وينشغل بالمطارحات الجدلية حول حقيقة الرق وتكييفه بين المادية والحيوانية , فهذا لا علاقة له بالمنهج الصحيح كما لا علاقة لفعلة برامة المدانة بقضية الحرية ومطالب إخوتنا  العادلة والوجيهة , والمحترمة والمقدرة.

لقد كان على الأخ برامه ـ إذا كان حقا صاحب قضية كما يزعم ـ أن يرجع بالذاكرة الى الوراء قليلا ويقرأ عن تاريخ الاسترقاق ليعرف كيف كان الرق وكيف كان يمارس في الأمم السابقة وما حصل لما جاء الإسلام الذي حرج فيه حتى في المنهيات اللفظية:" لا يقل أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي" أخي برامه أقصد البحر وخلى القنوات:

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به

***

في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل.

 

فلو طرحنا سؤالا بسيطا لكان في الإجابة عليه ما يكشف الرين عن كل ذي عينين.

 إن كنت منصفا والا فالجدال

***

ليست تسده إطالة المقال.

 

من هم أكثر علماء المسلمين من التابعين وتابعي التابعين ؟

من هم أكثر الزهاد والعباد وأرباب السلوك من علماء المسلين ؟

من هو نافع مولى ابن عمرـ رضي الله عنهما ـ ؟ الذي كان يقول فيه : " لقد من الله علينا بنافع" .

من هو عطاء بن أبي رباح ؟

من هو عبد الله بن المبارك ؟

من هو...من هو ..؟

بل من هو الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي بالولاء ـ على القول بذلك ـ الذي ما درس أحد الفقه الا وكان عيالا عليه؟

الإجابة أنهم من الموالي الأرقاء السابقين.

وعلم هؤلاء وفضلهم وتقديمهم معلوم مشهور لا يجهله الا من يحرق الكتب المؤلفة في أقوالهم , وفتاويهم ,وترجيحاتهم التي بنيت عليها الاختيارات ورجحت بها الفتوى وتقوت بها المدارك ولم ينالوا هذا الفضل الا بالإسلام.

خرج عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في سفر فخلف على المدينة المنورة أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ فلما رجع عمر وجده بظاهر المدينة يحتطب! فقال له: من خلفت على المدينة ؟ قال بن أبي أبزى, قال  ومن ابن أبي أبزى؟ قال: مولى لنا قال: خلفت عليهم مولى؟ قال لكنه قارئ لكتاب الله حافظ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: لقد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول إن الله يرفع بهذا القرآن  أقواما ويضع به آخرين.

 هذه هي المقاييس في التقدم والافضلية في الإسلام.

استمع معي إلى هذه القصة التاريخية المسند والموثقة وليست من "أمور السياسة" فأرعها سمعك وتدبر:

" عن الوليد الموقري عن الزهري قال : قدمت على عبد الملك بن مروان فقال : من أين قدمت يا زهري ؟ قال: قلت: من مكة قال: ومن خلفت يسودها وأهلها ؟ قلت: عطاء بن أبي رباح قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت : من الموالي قال : فبم سادهم ؟ قال : قلت : بالديانة والرواية قال: إن الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا قال: فمن يسود أهل اليمن ؟ قلت : طاوس بن كيسان قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالى قال: فبم سادهم ؟ قلت: بما ساد به عطاء قال: إنه لينبغي ذلك قال: فمن يسود أهل مصر؟  قلت يزيد بن حبيب قال: فمن العرب أم من الموالى؟ قال: قلت: من الموالى قال: فمن يسود أهل الشام ؟ قلت: مكحول قال: فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل قال: فمن يسود أهل الجزيرة ؟ قلت : ميمون بن مهروان قال: فمن العرب أم من الموالي قال: قلت: من الموالي قال فمن يسود أهل خراسان ؟ قال: قلت : الضحاك بن مزاحم قال: فمن العرب أم من الموالي ؟ قال: قلت : من الموالي قال: فمن يسود أهل البصرة ؟ قال: قلت: الحسن البصري , قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي قال: ويلك ومن يسود أهل الكوفة ؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب قال : ويلك يا زهري فرجت عني والله لتسودن الموالي على العرب في هذا البلد حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها قال: قلت : يا أمير المؤمنينإنما هو دين: من حفظه ساد ومن ضيعه سقط.

أخي برامة إذا ضاق بك أفق فانظر الى الأفق الآخر لترى عظمة الإسلام واقرأ الكتب ولا تحرقها , انظر إلى الأفق الأرحب والفضاء الأوسع , وإلى النصف الملأى من الكأس واقصد الرامي ولا " تشمشم " على الرمية " فتشتغل عن الهدف.

اعلم أخي برامة أنه ليس لنا معشر المسلمين ـ مثل السوء فذاك أمر يجب التجافي عنه شرعا وعقلا وطبعا.

لقد عاب الناس على الذباب أمورا كثيرة لست بصدد استقصائها , وأنت تعلمها ومما عابوا عليه: أنه غير موفق في الاختيار, فهو يحوم حول المكان النظيف , والبيت الفاره , والفرش الناعم فيغل يحلق ولا يهدأ له بال حتى إذا رأى  قذاة أو قذارة  أو وسخا انبسط ووجد ضالته وحط عصا الترحال ونزل في تؤدة واطمئنان بال يفرك يديه ويتحسس على شفتيه.

ولكن ليس لك ولا لنا في الذباب أسوة حسنة بل أنظر إلى المحاسن والإيجابيات قبل النظر إلى السلبيات , والشاذ من المسلكيات فلنا المثل العالي ,والخلق الفاضل والإنصاف من شيم الأشراف, فلنتمسك بتراثنا فهو ملك لنا جميعا, وهو ذاكرتنا الجماعية المشتركة , ولا تزهدنا فيه أخطاء البعض , فإنما تعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال , وكل يؤخذ من قوله ويرد الا المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ولا تزر وازرة وزر أخرى"  ولا يجني جان الا على نفسه وماله.

 

المفيد المختصر في قصة حرق المختصر

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox