القضاء على الرق صمام أمان الوحدة الوطنية
السبت, 23 يونيو 2012 13:16

 

           محمد محمود ابريهمات

لم تزل فكرة التآلف والتناصر تخامر عقول البشر من عهد نشأته في هذه الأرض من حيث ما في طبعه من اتساع المطمع وقلة المقدرة فلذلك كان بطبعه محتاجا إلى إسعاف بعضه بعضا بمكملات ما يعجز عن نواله من جلب الملائم ودفع المؤلم وبذلك كان مدنيا بالطبع أي :محتاجا إلى التجمع والتحبب للتمكن من الاستنجاد عند احتياجه إلى النوال أو الدفاع "1.

وعن تلك الفكرة نشأت  أنظمة متعددة من أهمها على الإطلاق نظام الأمة وهو جامعة كبيرة تتفرع عن النسب البعيد الجامع وعن الموطن وعن اللغة .  وبما أن  وحدة الأمة مطلب شرعي واجتماعي يتطلع إليه كل عنصر من عناصرها ووسيلة لبقاء واستمرار كيانها وتحصينه في وجه الهزات العنيفة وغير المتوقعة فإن البحث عن السبل الكفيلة بالحفاظ على تلك الوحدة والضمانات الحقيقية لتطويرها مسألة تهم الجميع وتتطلب تضافر كل الجهود. وتتوفر لمجتمعنا عوامل الانسجام أكثر من دواعي التفرق والاختلاف وبالطبع يأتي الإسلام في مقدمة تلك العوامل وأكثرها رسوخا في المخيلة الجمعية  وقد كان حريصا على تماسك الأمة  صريحا  في  التحذير من كل ما من شأنه خرق صفها و خلق توتر بين أفرادها لما في ذلك من خطر إضعافها ففي الحديث (من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان)  ونهى صلى الله  عليه وسلم عن بوارق الاختلاف ولو في مثل الاختلاف الذي لا يخلو من أن يأتي بخير فقال "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه"   لأن أمة تخلقت بأخلاق الأخوة والمساواة وحب الحرية وتوقير العدل خليقة بأن تعرف مزية الوحدة فتكون متحدة متوافقة كالجسد الواحد تراه عديد الأعضاء والمشاعر لكنه متحد الإحساس والعمل ولأن "التخلق بالاتحاد يكسب الأمة اتجاها نحو صوب واحد في تدبير شؤون المجتمع فيبذل كل فرد منتهى ما عنده من الآراء والمساعي لنفع الجميع "2 فذلك يكسب شوكتها هيبة في أعين العدو حتى لا يطمع في ثغرات الخلاف بينها ليستدني بعضها دو ن بعض فيستخدمه في خضد شوكة الجميع " 3

 ولم يكتف الإسلام برفع شعارات التوحد والمساواة والتنظير لها بل شرع في تطبيق ذلك فعلا ولم يترك ذريعة يتذرع بها ولا حجة يحتج بها. فالأمة من وجهة نظر الإسلام البحتة  حري  بها أن تكون متحدة متوافقة وتنتفي عنها دخائل الفساد فلا ينظر فيها أحد إلى الآخر نظرة احتقار قد  تفضي إلى إشاعة الكراهية وعدم التفاهم .إلا أن توطيد الوحدة الوطنية  بشكل جدي يستدعي القضاء على ظاهرة الاسترقاق تلك الظاهرة البغيضة التي مارسها المجتمع  في أبشع صورها وأكثرها إيغالا في تحقير وإهانة الأرقاء والتنكيل بهم  بل ذهب أبعد من ذلك إلى اعتبار ممارستها  قربى إلى الله و جزءا من الحق الشرعي للأسياد ولا يمكن التنازل عنه تحت أي ظرف  حتى ولو تعارض ذلك مع أوامر الشرع  الإسلامي الذي ينسب إليه جهلا  أنه أصل وجود الاسترقاق وتحمل نصوصه ما لا تحتمل  في سبيل إخضاع الأرقاء وكسر نفوسهم وتخويفهم من الخروج على طاعة الأسياد لأن في ذلك معصية الله تعالى فالأسياد – حسب زعمهم - أبناء الله وأحباؤه ومع ذلك لا يرقبون في رقيقهم إلا ولا ذمة حيث عملوا على تجهيلهم  وتركهم يتناسلون خارج إطار الشرع فضلا عن استغلالهم بشكل مناف للقيم والأخلاق الإنسانية  فالدين لم يكن  في يوم من الأيام لدى من يعتبرون أنفسهم أسيادا سوى وسيلة يستغلونها و يحتكرونه لأنفسهم حتى تبقى لهم أبهتهم ومكانتهم  بعدما لبسوا عباءة التدين والصلاح، وبدل تعليم الدين الحق للجميع ونشر حبه في صفوفهم  شرعوا في توزيع الأدوار وبيع صكات الغفران وتكريس ثقافة الأفضلية والتعالي (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا). وقد ظلت علاقات  المجتمع جراء تلك الممارسات  حبيسة  سذاجة البداة وحماقتهم ورغبتهم الجامحة في التحكم في الرقاب  وعدم اكتراثهم بالمصالح و أضحت دمية يتلاعب بها كل غر مغفل  - كما عهدنا - يدور بها مع مصلحته ومزاجه حيث دار ويلهث بها خلف سراب الأطماع والجشع وحب الظهور فيتعب الأمة ويحملها من البلايا والفتن الكثير ففزعت قلوب وزلت قدم بعد ثبوتها وقطع ما أمر الله به أن يوصل لأن البداوة كما يقول ابن خلدون "وسط غير ملائم لاحتضان الثقافة الراقية "4 . حلقد عانى الأرقاء كل صنوف الذل والهوان و تركوا على قارعة الطريق يقاسون معاناتهم لوحدهم وكأنهم ليسوا أعضاء في الكيان الاجتماعي ولا يستحقون التعاطف ولا مجرد الحديث عنهم إلا بوصفهم ملكا لآخر فردا كان أو جماعة. و لم يتورع أحد عن إلحاق الأذى بهم وإشعارهم في كل وقت أنهم ليسوا  بشرا  ولا يستحقون أكثر من البيع والشراء والإذلال- فجلدهم للعذاب ولحمهم للكلاب - في هذا المنكب البرزخي الذي يغلي بمن فيه وتتكالب فيه عصابات الافتراء والتضليل والتسيب وامتهان الإنسان واستباحة الأعراض والأنفس باسم الإسلام الذي جاء رحمة للناس وإخراجا للبشر من الظلمات إلى النور وهو ما يغيب قطعا عن حس من  يحاولون التستر على الحقائق  وإخفائها وراء ظهورهم وإفراغ الإسلام  من معانيه الإنسانية السامية  وإظهاره كعدو للحرية والعدل والمساواة ، وإقناع الأبرياء بالأكاذيب  والتغرير بهم وجرهم إلى الاعتراف والتسليم بالظلم البواح والشر المستطير. إن هذا الواقع المرير يحز في النفس و يبعث الحزن والأسى ويقلق الضمير من مستقبل مجهول ومفتوح على كل الاحتمالات في بلد أرخص شيء فيه كرامة الإنسان وأبرز المعالم فيه الغدر والخيانة واحتقار الضعفاء وتمجيد الظالم واعتباره بطلا و الترويج للفتنة و التعالي على خلق الله في أرض الله  و بيع الدين بعرض من الدنيا. لقد تركت ممارسة الاسترقاق جرحا غائرا ينخر جسم المجتمع وسما يسري في كل الأعضاء وعلاقات اجتماعية أقل ما توصف بالجافة  وغير القابلة للاستمرار على هذا النهج  الذي  يطبعه الظلم والحيف و التهميش مما يقلل من احتمال اندماج اجتماعي سليم يضمن الحرية والكرامة والمساواة والاعتراف بالتنوع  ويبتعد عن النعرات التي تدفع إلى  خلق بلبلة عن قصد أو غير قصد خصوصا في ظل إصرار البعض على ممارسة ظاهرة الاسترقاق وعدم الاستعداد للتنازل عنها  ومواصلة  المجتمع بكل الحيل  التعتيم والتستر عليها وحماية ممارسيها واعتبارهم  على حق و عجز السلطات أو تخليها على الأصح عن تطبيق القوانين لحاجة في نفسها.

إن تحصين المجتمع من مخاطر الانزلاق  المحتمل- أيا كان مصدرها - مسؤولية الجميع خاصة إذا كانت هناك  رغبة جادة  في بناء  مستقبل زاهر ينعم فيه  جميع الأفراد  بالرخاء والاستقرار وهو ما يتطلب تحمل المسؤولية كل من موقعه بدل تدافعها والتفرج على المعاناة وترك الأمر لفئة واحدة لأنها المتضررة أكثر من غيرها وعليها أن تتحمل كل التبعات من أجل استرجاع كرامتها وحقوقها المستلبة . صحيح  أن المستأجرة ليست كالثكلى  ولكن الواجب  الديني والأخلاقي ومصلحة المجتمع أمور  تستدعي  من الجميع المشاركة الحازمة والفاعلة لدفع الضرر والأذى الذي لحق بالأرقاء ومساعدتهم على اللحاق بالآخرين وتغيير النظرة النمطية و الدونية تجاههم والرفع من مكانتهم التقليدية في المجتمع والتخلي عن حشرهم في الزاوية الضيقة المسلخ والمطبخ . وبذلك وبه وحده تتم إزالة دواعي الفرقة والخلاف وتفوت الفرصة على العابثين باستقرار المجتمع الذين لا يرون أبعد من أنوفهم ويقيسون المصلحة بأمزجتهم وتبعا لأهوائهم

القضاء على الرق صمام أمان الوحدة الوطنية

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox