جرائم الإبادة في موريتانيا (الحلقة الأولى)
الثلاثاء, 24 يوليو 2012 00:02

جبريل جلو، وسيلي با

1.هيمنة الأقلية و ظاهرة الإفلات من العقاب

لاشك أن موريتانيا بحاجة لاستعادة عدة أدوار مؤسسية وقيمة،وتفعيل الكيثر من الآليات القانونية والسياسية لتجسيد دولة القانون والمواطنة.تلك الدولة الغائبة عن هذا الوطن المكلوم. موريتانيا بحاجة للخروج من حالة الفوضى المنتظمة، وغياب المؤسسات و انعدام المساواة بين أبناء الوطن. لعل جمهوية عادلة تعرف الفجر في هذه البلاد، وتشرق شمس المواطنة، مع ما يتطلبه هذا العمل من إرادة علمية وعملية و منهجية وجدية وإخلاص ،جدية بعيدة كل البعد عن الارتجال والتملق والخديعة. إنه عمل يضمن للأجيال القادمة موريتانيا مستقرة وقابلة لاحتضان التنمية. وفقا للقواعد العامة لتحقيق العدالة التي هي أساس التنمية بل والحياة في المجموعات البشرية عبر التاريخ.

لقد عرف مسار الدولة الموريتانية منذ نشأتها انزلاقات خطيرة ؛تجسدت في أعمال الإبادة، والانقلابات العسكرية، وتبديد الثروة، العامة وتسييرها لصالح "لوبي واحد، ومجموعة واحدة". وهنالك جهة واحدة هي الراعية لكل هذا الانزلاق وكل هذه الجرائم، وهي مدججة بالسلاح، وليس هذا السلاح موجها بطبيعة الحال لحامية الأمن القومي والحدود والمصالح العليا للأمة الموريتانية. إن هذا السلاح مسخر لفرض هيمنة الأقلية، وحماية مرتكبي جرائم الإبادة ،ولصوص المال العام، ومغتصبي السلطة منذ عام 1978.

ولا شك أيضا أن الأنظمة الموريتانية المتعاقبة "فاشلة" في إقامة العدالة، وبناء التنمية.والتخلص من الظلم والقهر ورموز الطغيان والاستبداد ، بل إنها هي المسؤولة عن هذا الفشل، وعن كل الانتهاكات الحقوقية والإنسانية. لقد اختارت هذه الأنظمة التمييز على أساس اللون والعرق واللغة والمولد والمنشأ.إن السود الأفارقة الموريتانيين "الزنوج"، والحراطين " العبيد والعبيد السابقين " وشرائح أخرى من المجتمع أقصد بعض قبائل البيظان "العرب والبربر" المسحوقة، كلها ضحية لاستبداد الدولة والنظام .

لقد أقام نظام الدكتاتور العقيد معاية ولد سيد أحمد ولد الطايع عام 1991 تعددية "صورية" في الحياة العامة  جعلت بعض القبائل والبطون في الأقلية "البيظانية" العربية البربرية تتربع على مراكز السلطة والمال، مع أن البيظان في موريتانيا لا تصل نسبتهم لـ 15 % من التعداد العام للسكان، حيث يمثل الحراطين أكثر من 50% والزنوج أكثر من 35 % أي ن البيظان  يمثلون أقل من 15% من الشعب الموريتاني.


 وشيد ولد الطايع ديمقراطية زائفة، اعتمدت تقسميما إدرايا انتخابيا غير عادل حيث ينتخب النائب البرلماني في بعض الدوائر من طرف عشرات الآلاف من الناخبين، بينما ينتخب نواب برلمانيون من طرف 700 ناخب أو أقل في بعض الدوائر،وبهذا التقسيم الظالم أصبحت الأقلية المتحكمة تشكل أغلبية في البرلمان ومجلس الشيوخ. وغيب ولد الطايع المؤسسات، وجعلت القبائل وشيوخ القبائل دوائر سياسية في حكمه، والجدير بالإشارة أن ولد الطايع اعتمد فقط قبائل البيظان ، العرب البربر  وهم الأقلية ما جعلهم يتحكمون في البلاد طول فترة حكم معاوية التي دامت بين العامين 1984و 2005 وهكذا تحولت موريتاينا إلى إمبراطورية للأقلية. وبعد الإطاحة بولد الطايع من طرف دائرته الضيقة في الأمن والجيش  بانقلاب عسكري في أغسطس 2005 حاول الموريتانيون بناء نظام مدني يعقب الفترة الانتقالية العسكرية التي امتدت لعامين 2005-2007 لكن الحزب السياسي المسلح سرعان ما اغتصب السلطة، بعد انتخاب رئيس مدني ،وذلك حين انفعل الجنرال وقام بردة فعل على قرار إقالته، ونفذ انقلابا عسكرا في أغسطس 2008 وعادت موريتانيا أدراجها ،مرة أخرى الشعب رهينة في يد الجيش.

 الوضعية القاتمة لموريتانيا هي نتيجة السيطرة الوحيدة للجيش النظامي أو "الكتائب القبلية" أو "الحزب السياسي المسلح" الذي هو المجرم الأول بحق موريتانيا في عدة مجالات:

 1.لانقلابات العسكرية الكثيرة والمتتالية: والتي عرقلت بناء الدولة وهددت وجودها.

إن الانقلابات هي التناوب لدي الحزب السياسي المسلح. وليس إعتباطا تسمية الجيش الموريتاني بهذا المصطلح؛ فالقاصي والداني يعلمان أنه الفاعل الأول في الساحة السياسية المحلية، إنه الخصم وهو الحكم وبيده السلاح.

 2.القتل خارج إطار القانون وتشييد المقابر الجماعية:خصوصا ما وقع من تصفيات عرقية في الجيش والمؤسسات الأمنية ضد السود الأفارقة الموريتانيين، لقد وقعت عمليات القتل هذه بالتوازي مع  الاستحواذ على الجيش من طرف "الأقلية" وتهميش الحراطين وإبعادهم من الجيش والمؤسسات الأمنية هذه الاستيراتيجية ثلاثية الأبعاد ذات الهدف الموحد وهو سيطرة الأقلية على موريتانيا وبناء الدولة الفئوية.

وتتجلى مظاهر الدولة الفئوية في إنفراد الأقلية بالسلطة والمال، ومن أكبر معالم هذه الفئوية توزيع المال فلا شك أن ملاك البنوك الموريتانية كلهم من نفس الفئة وكذالك ملاك شركات التأمين بلا استثناء.كما أن الأقلية ذاتها تسيطر على الدبلوماسية أنطر  إلى السفراء موريتانيا في الخارج ومستشاريهم عندها يتبادر إلى ذهنك أن هذه الأقلية هي وحدها الشعب الموريتاني. أنظر أيضا إلى الإعلام العمومي ومراسم التعيين في مجلس الوزاء،كل خميس.  

3.تلويث الحياة السياسية والاجتماعية وجرح الوحدة الوطنية في الصميم: الأمر الذي كسر الثقة ونال من التعايش والتراضي والقبول المتبادل لمكونات الوطن, فحين يتربع العقيد القاتل العربي ولد جدين على كرسي في البرلمان فإن الجمهورية كلها تحرق القبور الجماعية التي يسكنها العسكريون الذين قتلوا على يد هذا العقيد القاتل بالأمس؛ المنتخب اليوم.

 4.انهاك مشرع الدولة ومسار الوطن في موريتانيا:هذه هي المهمة المقدسة للحزب السياسي المسلح فقد حول هذ البلاد إلى مزرعة مكن الأقلية من أملاكها وجعل مكونات الشعب الأخرى بمثابة العبيد للأقلية المهيمنة.

إن لجيش الفئوي يمثل كابوسا يهدد هذا المجتمع، تماما كما حدث في ليبيا مع كتائب القذافي وما يحصل اليوم في سوريا مع كتائب "البعث الأسدية". المثير في الأمر أن النظام الفئوي في موريتانيا صنيعة للقائد بومضيار وبوابة خلفية لقطر الشبيحة الشامي.



كثيرة هي الفرائض الغائبة إذن في موريتانيا إلا أن العدالة تحتل الصدارة في لائحة هذا الغياب.فالتنمية للجميع غائبة بل إن أغليبة الشعب الموريتاني"مغيبة".

 إن العدالة ليست الانتقام  لكن الإفلات من العقوبة استمرار للجريمة.

  لنتناول موضوع منفذي جرائم الإبادة في موريتانياLes auteurs de la génocide   وقبل ذلك علينا أن نتفق أولا على أن الحديث طال كثيرا حول ضحايا المجاز الإنسانية في الثكنات العسكرية  وفي المدن والقرى بين الأعوام 1987 و1992. والكل يعرف أسماء ضحايا القتل من العسكريين البالغ عددهم 524 فردا من المؤسسة العسكرية من الضباط وضباط الصف والجنود الموزعين  على القبور الجماعية في أنحاء الجمهورية؛ من إينال  وسوري مالي والعزلات وتيكنت والكيلومتر 319 وبابابى حيث كان العقيد ولد الفايدة يقتل يوميا في المتسوط 7 أشخاص هذا العقيد قتل بشكل مباشر أكثر من مائة عسكري.

 كما تم تشريد آلاف المدنيين وانتزعت ممتلكاتهم.واليوم يحتل رجال الأعمال أراضي المرحلين ومزارعهم إن العدالة غائبة في كل اتجاه في هذا البلد.

  لقد اعترف النظام الموريتاني بجرائم التصفية كما صرح بذلك الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله،  وقد قال الرئيس الجنرال محمد ولد عبد العزيز  في نواذيبو "إنه يعرف القتلة كلهم" كما صلى على الشهداء وضحايا التصفيات العنصرية صلاة الغائب في كيهيدي، وحاول الرئيس محمد ولد عبد العزيز أن يشتري ذوي الضحايا بالمال العام لكنه لم يعلن يوما نيته  تقديم المجرمين للمحاكمة. من المفارقات الكبرى أن الرئيس العقيد اعل ولد محمد فال نفى مشاركته في أية عملية قتل, وهو نفي مثير لاحتقار الحقيقة والإنسانية و الذاكرة و الأخلاق.

وهنا نذكر عملية اغتيال ضابظ البحرية تامبادو عبد الله وقد قتل في 10 ديسمبر 1990 ،حين أطلق عليه النار من مسدس في سيارة كانت يستقلها ثلاثة ضباط هم: اعل ولد محمد فال ،ومحمد مكت، و يزيد ولد مولاي أعل. ، وقد التحق  الشهيد تامبدو عبد الله بالبحرية عام 1969 وهو من مدينة بابي.

وفي نفس الإطار يعتبر العقيد سيد أحمد ولد أبيليل مسؤولا عن قتل 300 عنصر من المؤسسة العسكرية .وفي إنال  أشرف العقيد ولد أبيليل  على قتل أكثر من 154 فردا.28 منهم أعدموا شنقا في ذكرى عيد الاستقلال عام 1991م.

 

 لقد كانت إدارة الأمن والقصر الرئاسي وقيادة الأركان مراكز لقرارات الموت في سنوات النار والجمر.


ماهي العدالة التي لا يظهر فيها ذكر المجرم؟  إذا كان وجود الضحية مؤكدا؛ والفعل الإجرامي قائما بذاته؛ فلماذا تحاول الدولة الموريتانية حماية المجرمين؟ أم أن هؤلاء القتلة  وهم في هرم النظام يرتهنون العدالة؟ ومن مهنم الجنرالات والعقداء وأخيرا اصبحوا منتخيبن في قبة البرلمان.

 هناك أكثر من مائة ضابط في الجيش هم أبطال هذه المجاز ، حيث تمتعوا بالقتل والتمثيل كأنهم وحوش البراري ،ويتمعون اليوم بالافلات من العقاب.وكأنهم قتلوا دمى أبلاستيكية في مسارح الهوليوود، إنهم يحظون بحماية الدولة والنظام ، والحقيقة هي أنهم يستفيدون من وظائف سامية وامتيازات عالية ونفوذ قوي، كل هذه الأمور تدعم هروبهم من العدالة وافلاتهم من العقاب.

دماء الناس لا يمكن أن تذهب أدراج الرياح.

وهناك العشرات من الضباط وضباط الصف والجنود الوطنيين رفضوا المشاركة في المجازر وعمليات القتل :وقد أبعد هؤلاء من الجيش والمؤسسات الأمنية؛ ومن أبقي منهم في الخدمة ظل في الهامش أغلبهم اليوم يعيش حياة "البؤس" لأن القهر طالهم حين قتل إخوتهم في الجندية أمام أعينهم؛ بالرصاص وشنقا وآخرين داستهم السيارات الرباعية والمدرعات،جريمة ذات شقين قتل لمن تمت تصفيتهم  وتعذيب معنوي لمن رفضوا المشاركة في التصفية العنصرية.

 

هنا أود أن أسجل للتاريخ أن وزراء في حكم ولد الطايع قالوا في عدة منابر : أن  معاوية ولد الطايع كانت "دمية" وأن ضباطا من أمثال ولد لكور وولد أزناكي وولد أبليل وولد الفايدة  واعل ولد ممد فال والعربي ولد جدين وآخرين أصروا على إبادة الزنوج.و"تطهير الجيش" .

ومن ما يسجل أيضا للتاريخ أن ضباطا من تيار حزب البعث العربي الإشتراكي وآخرين ناصريين تنابزوا بالألقاب وتبادلوا التهم حول علميات الإبادة. حدث ذلك في مناسبات عدة.

ومن المفارقات أيضا أن ضباطا سودا شاركوا في طمس معالم جرائم التصفية العرقية تحت الضغط والإغراء، فالجنرال أنجاك جيغ آلة "طمس" معروفة، وهو الذي أعد التحقيق حول هذه التصفيات وابتلع نتائجه التحريات التي أعدها؛ وحظي بمكافئات آخرها قيادة الدرك الوطني، اليوم، بعد أن كدس المال- ثمنا للدم الذي أخفاه والجريمة التي حاول دفنها-  من قيادته للجمارك في عهد ولد الطايع.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن سكان مدينة "إينال" - في الشمال الموريتاني- يقع على  عاتقهم واجب ديني وأخلاقي يتمثل في وقف مايقوم به شباب المدينة من لعب لكرة القدم فوق القبر الجماعي لأكثر من 154 فرادا من المؤسسة العسكرية. فلقد تبين خلال الزيارة التي نظمتها المنظمات الحقوقية لإنال أن السلطات الموريتانية وهي في رحلة طمس معالم الجريمة حولت مسرح عمليات القتل إلى ملعب لكرة القدم، وتجدر الإشارة إلى أن مسرح الجريمة لصيق بالقبر الجماعي كما أكد ذلك الشهود من الناجين العسكريين ومن بينهم الضابط محمد سي الذي لقي صنوف العذاب في هذه الثكنة التي عمل فيها سنوات عديدة. ويعتبر كتابه "جحيم إنال" أحد اشهادات الحية التي تناولت عمليات القتل وأسماء الضحايا والقتلة.

السؤال الذي يفرض نفسه هو : لماذا لم يختلف نظامي معاوية ولد الطايع ومحمد ولد عبد العزيز في تكريم أبطال المجازر فضلا عن حمايتهم؟

 خلال الفترة الانتقالية كان الرئيس أعل ولد محمد فال يقول: إن هذه الملفات ستترك للنظام المنتخب ديمقراطيا،ويحكى أن الأسباب المباشرة لانقلاب أغسطس 2008 هي نية الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله ابعاد أبطال المجازر عن دائرة الحكم.

على أية حال فإن الزمن يكاد يطوي هؤلاء المجرمين دون أن تطالهم يد العدالة. إن العدالة السماوية تنتظر الجناة. لكن عدالة "الدولة"هي الضامن الوحيد لكرامة المواطن الموريتاني، حتى يعلم أي كان أن دماء الموريتانيين وأرواحهم وممتكاتهم مقدسة ومحمية. لقد كان أبو طالب حاميا لإبله؛ قبل الإسلام، فمن يحمي دماء "الموريتانيين" في ظل الإسلام والحريات والقوانين المحلية والدولية ؟

وإن إفلات القتلة من العدالة أمر مخيف وخطير،ومناف لكل القيم والأديان والأعراف. إن الإسلام دين العدل والانصاف، لكن العلماء والفقهاء الموريتانيين اختاروا الصمت في الدنيا لعلهم يشهدون يوم الحساب على هذه الجرائم ويشهدون  أيضا على صمتهم .إنهم يقولون إنهم أهل الحل والعقد.نسوا أنهم أيضا أهل الصمت على جرائم التصفية العرقية.

إن الدور الريادي الذي لعبته وتلعبه المنظمات الحقوقية من أجل إقامة العدالة والعدالة الانتقالية في ملف الإرث الإنساني أو العسكري بقي صوتا وحيدا في ظل صمت الأحزاب السياسية والعلماء؛فلا العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو دعا لإقامة العدالة، ولا رئيس البرلمان السيد مسعود ولد بلخير  ينصتر لهذا الملف.

 نقدم لكم أيها القراء الأكارم في هذه السلسة الرمضانية  :

 1. هيمنة الأقلية و ظاهرة الإفلات من العقاب ( الحلقة الأولى).

2. القتل داحل الثكنات( الحلقة الثانية).

3. سير الضحايا والقتلة( الحلقة الثالثة) .

4.الإرث الإنساني والإرث العسكري ( الحلقة الرابعة).

5. حوار مع الناجين والأرامل والأيتام ( الحلقة الخامسة).

6. قراءة في  كتاب جحيم إنال ( الحلقة السادسة).

 

جرائم الإبادة في موريتانيا (الحلقة الأولى)

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox