أبي كان هنــــــــاك....
الاثنين, 24 سبتمبر 2012 10:44

 

في ليلة من ليال الشتاء كان الظلام قد سيطر بجنده على أحياء العاصمة نواكشوط الطيعة كعادتها لكل من نشر جنوده في شوارعها، وبعدما أرخى الليل سدوله رجع الشاب من جولته اليومية ليرتاح في شرفات القصر بعيدا عن صخب الشعب وضوضاء المدينة، دخل الشاب في القصر على إيقاع ابتسامات الحرس، وإيماء الخدم، وترحيب الحاشية كل يردد:

مرحبا اللي اتطول لعمر...مرحبا بابن الرئيس...

توجه الابن إلى غرفته ليجد بانتظاره أصناف الطعام وكأنها هي الأخرى "تتنافس من حيث لا تعلم " في شرف أكل ابن الرئيس منها ...جلس قليلا بجانب المائدة وهو يداعبها بأصابعه وكان كلما داعب صنفا من الطعام قال في نفسه مسكين صديقي فلان ليته معي يحب هذا الصنف حتى مر بجميع الأصناف ،نفض يديه من الوجبة التي كانت أشبه بألبوم صور ذكره بأصدقائه منها بوجبة عشاء، نادى على الحارس الذي أتاه مسرعا ليقدم له الغسيل، غسل يديه وهو يردد مع الفنان الغربي ـ الذي يملأ صوته المكان ـ كلمات أغنيته متراقصا معها،ثم سأل الحارس :

هل "سيادته وسيادتها" هنا؟

فرد عليه نعم حفظهم الله وحفظك لنا..

فغير ملابسه ومر بأبويه مسرعا للسلام عليهما ثم توجه للحديقة ليلقي من وراء سياج القصر نظرات اطمئنان على ضواحي العاصمة النائمة في سبات الولاء لأبيه، فتنفس الصعداء وهو يردد في نفسه:

أليس لي ملك موريتانيا وهذا شعبها راضخ لأبي؟

ثم ركب موجة النشوة التي انتابته بعد الاطمئنان على رعية أبيه وألقى بنفسه على سرير نومه يراود النوم عن نفسه ،متثائبا ومسترخيا على سريره ،كأنه يسابق تفكيره إلى النوم ليختم يومه بهذا الشعور قبل أن يطرق تفكيره"من شؤون الرعية" ما يفسد عليه فرحته العارمة...وفي طور تناومه فتح عينيه خلسة فوقعتا على مبلغه الزهيد "حزيمات من الفضة كل حزمة مليون" في زاوية الغرفة ،كان قد وضعها لليالي الخوالي فقال في نفسه أسلي نفسي بالتفكير بما سأفعل بهذا المبلغ..فبدأ التفكير!!!

ما ذا سأفعل بهذا المبلغ؟

أشتري به سيارة؟ لا يمكنه أن يشتري سيارتي المفضلة كما أنني لست بحاجة إلى سيارة مادامت كل سيارات الدولة تحت تصرفي...أقيم به دعوة لأصدقائي؟هو أقل بكثير من ذلك أيضا وسأقيمها في عيد ميلادي كما قالت "ماما"..ولست بحاجة إلى لباس أو عطور لأشتريها به وبضاعة نواكشوط أنا لا استعملها أيضا...

هنالك حل واحد أقيم به رحلة سياحية إلى الخارج فأنا متعب و لم أخرج البلد منذ ثلاثة أسابيع ،ولكن أي دولة سأختار؟

أوروبا سأقضي فيها عطلتي الصيفية ،والمغرب وتونس كنت فيهما الشهر الماضي....

نعم سأذهب إلى أم الدنيا مصر ....

لم يكد الشاب يحدد وجهته حتى تسلل إليه النعاس وقطع عليه شريط تفكيره وأدخله في سبات عميق..وكعادة كل البشر ،النوم يستغله الدماغ ليستعيد فيه شريط الحياة اليومية وخاصة ما شغل البال أكثر وكان تنفيذه أسهل على الروح منه على الجسد ،وهكذا بدأ "الفتى الحلم" من حيث انتهى في اليقظة ليجد نفسه وبيده اليمنى جواز سفره الدبلوماسي وتذكرة سفره إلى أم الدنيا ،وباليسرى حقيبته ،فتوجه إلى المطار ليأخذ الطائرة التي حطت به في مطار القاهرة الدولي ،ونظرا لأن الرحلة سرية لم يكن عميد رعية أبيه "السفير" في الانتظار ،لذا أخذ سيارة أجرة وقال لصاحبها بلهجة مكسرة (مكان به جمال وإقامة علياء) ففهمها صاحب سيارة الأجرة الذي شب وترعرع في ظل النظام السابق حتى تشكل تفكيره على أن الجمال والعلو لا يجتمعان إلا في القصر سابقا وفي سجن طرة حاليا..

فوجه مقود السيارة إلى سجن طرة فأنزل الشاب ــ الذي لم ينتبه وخاصة أن المكان يشبه الفنادق شكلا ونظافة ــ وأجلسه في قاعة الإنتظار وقال للحارس أن الولد يريد جمال وعلاء...

فجلس الشاب ينتظر وما هي سوى برهة حتى قدم ذلك الرجل أصفر اللون ،طويل القامة ،فنظر إليه نظرة تفحص فإذا به جمال مبارك فانتفض إليه مسرعا وعانقه وقال له  أنت من كنت أبحث عنه أنت هنا في هذه الإقامة وطلب منه الجلوس للحديث...

فبدأ الشاب الكلام وقال له أنا ابن رئيس دولة كزرستان وأتيت هنا لأخذ قسطا من الراحة فأنت تعلم تعب "شؤون الرعية" وإني معجب بك كثيرا وبمشوار حياتك فأنت نشأت حتى ترعرعت في ظل الرئاسة، وأحبك الناس حتى اتفقوا على توريثك عرش أبيك لولا هذه المؤامرات التي تحاك الآن ضد عالمنا العربي والتي وراءها عملاء لا يحبون لنا الخير...

وبالمناسبة أقترح عليك أن تذهب معي فأنا سأدفع كفالتك لتعيش معي في وطني، لكي أستفيد منك كيفية تعامل ابن رئيس مع المرؤوسين على مدى عشرات السنين فكما تعلم أبي سيرأس كزرستان عشرة باسم الفقراء وهو فيها الآن، وعشرة باسم الأغنياء يكون لقبه فيها "رئيس الخير" وعشرة باسم الطبقة الوسطى سيكون لقبه فيها "المنقذ والمفدى وربما جلالته..."وهي التي سيخاطبني فيها الناس:

أَتَتهُ الخِلافَةُ مُنقادَةً ... إِلَيهِ تُجَرِّرُ أَذيالَها
فَلَم تَكُ تَصلُحُ إِلا لَهُ ... وَلَم يَكُ يَصلُحُ إِلا لَها

وعلى أن أكون فيها جاهزا لذا أحتاجك بجنبي يا سيدي...

فأنا ياسيدي شعب دولتي يتنافس في خدمتي، فالمسؤول مهما علت رتبته يبقى بحاجة إلى التقرب مني والدخول في جنات مرضاتي، ويعتبرني طلسم محافظته على منصبه والسلم الأقرب إلى المناصب العليا، وحامل الشهادة ــ العاطل عن العمل ــ يعتبر التقرب مني التوقيع الحقيقي الذي يضفي على شهادته المصداقية ويجعلها أهلا لتدخل صاحبها في الوظيفة العمومية، والتاجر يحسبني الجسر الذي ما إن تسلكه تجارته حتى تصبح تجارة لن تبور، أما المواطن البسيط ربما حال لسانه يقول مخاطبا الرئيس"اطمأئنا على الدولة لما رأينا ابنكم حفظه الله.."، فرقم هاتفي مثلا لا يخلو من مكالمة يومية من جميع مسؤولي الدولة كأن الاتصال بي هو التوقيع الذي يبرر به العامل حضوره في الوقت، كل يتصل يعرض خدماته بكل شرف وربما فعلها "مروءة قبل العرض" وهذا ما جعلني أشعر أنني خلقت لأملك رقابهم وأنهم خلقوا لأسودهم ، أما الدولة فهي بقرتي الحلوب، والقانون دابتي التي أركبها عند حاجتي وتفر مني إذا زجرتها...

فقاطعه جمال قائلا عذرا يا بني فإني مضطر لمقاطعتك فحديثك أهاج ذكرياتي وذكرني بالأيام الخوالي وكأنك تعيد أمام عيني شريط حياتي فاسمح لي أن أقول لك في كلمات مقتضبة مايلي:

يا بني عليك أن تعلم أن ما أنت فيه الآن منذ سنوات قليلة قد عشته أنا على مدى ثلاثين سنة، وما وجدته أنت من ملايين قليلة وجدته أنا من ثمانين مليونا، ولكن على مهلك فلا تغتر واعلم أن الذين قدموني لأخلف والدي هم أول من تراقص على نغمات اعتقالي، وأن من كان يعرض خدماته هو أول من سد بابه عني، ودل القانون على مكان قدي لقميصه، وأن الذين كانوا يملؤون  حياتي أنسا وعطفا قد بدلوا أنسهم جفاء وعطفهم ضغينة وشنآنا، وميزانية دولتك التي تتصرف فيها كأنها ملك أبيك تقارب ميزانية أسفاري أنا فقط، والذين كانوا يسهرون على راحتي هم اليوم من يسقيني كأس الحياة حنظلا، وانظر إلي فأنا أمامك الآن..

 انظر كيف تبدلت النضارة غبرة، والصحة سقما، والحشدة وحدة، فكأن ثمانين مليونا ليس فيهم من يعرفني فعندما أخبروني أنك هنا تيقنت أنك لست مصريا، وانظر إلى الثياب التي علي، وكأن صاحبها لم يقتن يوما آخر الماركات العالمية من الثياب والعطور، كل هذا يا بني تبخر مع قراءة البيان رقم واحد...       

وانظر إلى أبي أين هو الآن؟

هو الآن طريح فراش يضنون عليه حتى بحياة منحته إياها أجهزة طبية، ويحسدونه على الموت السريري، يحاكمونه بكرة وعشيا وكأنهم يخاطبونه:

اليوم نعذبك ببدنك لتكون لمن خلفك آية...

بعد ما يزيد على خمسين سنة من خدمة الوطن ــ عشرين عسكريا وثلاثين رئيسا ــ لم يجد في القوم من يزوره ولو على استحياء، أو يقول عنه كلمة خير ولو في الخفاء...

وأعلم أني  رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال، ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا..رأيت الناس منفضه إلى من عنده فضه، ومن لا عنده فضه فعنه الناس منفضه..

وقل لأبيك أن يأخذ له مكانا في القلوب لا في البطون، قبل أن تدور دوارة الزمن التي إن دارت لا ترحم، وبلغه عني هذه الأبيات:

عِشْ ما بَدَا لكَ سالماً،  في ظِلّ شاهقَة ِ القُصورِ

يسْعَى عليكَ بِمَا اشتهيْتَ  لدَى الرَّوَاح أوِ البُكُورِ

فإذا النّفوسُ تَقعَقَعَتْ، في ظلّ حَشرجَة ِ الصّدورِ

فَهُناكَ تَعلَم، مُوقِناً  مَا كُنْتَ إلاَّ فِي غُرُورِ

وقل لنفسك أني كنت هناك ــ في ما أنت فيه الآن ــ واليوم هنا في السجن، وأبي وإن كان اليوم في المستشفى، فإنه كان هنـــاك في القصر!!!

فأستيقظ الفتى مفزوعا، وفر مسرعا إلى والداته يكرر :

عش ما بدا لك سالما...عش ما بدا لك سالما..

فردت الوالدة بسم الله الرحمن الرحيم هذا الطفل لا شك أنه مسحور، ألم أقل لك أن لا تشرب عند أهل فلان!

سأذهب بك إلى الحجاب غدا....

 

أبي كان هنــــــــاك....

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox