اللغة والمال
الأربعاء, 01 ديسمبر 2010 16:58

بقلم: أبو إسحاق الدويري

أذكر زمانا  في إحدى المحاضر العريقة كنت نديما لمن وصفهم ابن الشيخ سيديا في نونيته لا سيما في الاشتغال :
بأقوال الخليل وسيبويه            وأهلي كوفة والأخفشين
وشعر الأعميين إذا أرادوا          وإن شاءوا فشعر الأعشيين
ونحو الستة الشعراء ننحو        ونحو مهلهل ومرقشين

 


بل ومغرمين أيضا بتعليلات الصبان وتوجيهات الرضي ولــــ ازريقة (بكاف معقودة) ولد أحمد يورة وبديع ولد محمدي نصيب وافر من أوقاتنا المنهوبة إلى نزلت علينا هدية من السماء استفزتني حينها جدا وأقامت غيري وأقعدته ولم تكن الهدية إلا كتاب أخضر اسمه :فكر ومباحث.للشيخ علي الطنطاوي . وكنا مشغوفين برائحة الكتب الصفراء . وزخارف الطرة الحمراء . في الفصل الأول من الكتاب تعبير صادق منفر من لغة شكسبير :فيها حروف تكتب ولا تقرأ  وحروف تقرأ وهي غير مكتوبة وحروف تقرأ مرة شيئا ومرة شيئا آخر ولا بد لكل طالب لهذه اللغة من أن يتعلم كيف يكتب كل  كلمة فيها ثم يتعلم كيف تلفظ وهي بعد لغة سماعية لا يطرد فيها قياس و لا تعرف لها قاعدة ومخارج حروفها عجيبة وألسنة أهلها ملتوية . ثم إنها لغة ليس لها نسب ثابت ولا أصل معروف  و لا يفهم إنجليزي اليوم كلام  الإنجليزي  في عصر المعري والشريف الرضي فضلا عن عصر امرئ القيس وزهير . وألفاظها لِمَامَةٌ من كل الطرق من كل لغة كلمة فيها كلمات من اللغة الألمانية وكلمات من الفرنسية وكلمات من العربية .
وهي على هذا الضعف وهذا العجز وهذه المعايب كلها  سمت بها همم أهلها  حتى فرضوها على ربع أهل الأرض وما ظننت في تلك الأيام البريئة أن أحدا من ألئك السمار الفتو سيزيد ربع أهل الأرض الذي يرتضخ لُكْنَةً أعجمية حتى رأيت بأم عيني اثنين من خيرتهم_وسمعت أن ثالثا قدم ورابعا تفوق في مسابقة التوفل _ يزاحمان بالركب "مُرَابِطات" من الروم ليتعلما لي اللسان . فآلمني هذا المآل فسألتهما كما سألت كثيرا من القادمين من صنعاء نَشْوَانَ الحميري, وبصرة الخليل بن أحمد, وشيراز مولانا سيبويه, وجزائر ابن مرزوق , ومصر ابن هشام , وشام ابن يعيش, وشنقيط محمد يحي ولد الشيخ الحسين عن الداعي لإنفاق هذه الأموال ومزاحمة اللواتي أفلتن من صارم سيف الدولة :
فلم يبق إلا من حماها من الظبى      لمى شفتيها والثدي النواهد
تبكى عليهن البطاريق في الدجى     وهن لدينا   ملقيات كواسد
مولانا المتنبي رحمة الله عليك -الله أعلم – لكنهن يعلمنا الآن أحفاد ابن القرية وابن المقفع كيف يتكلمون ولقد صدقت وبررت :
بذا قضت الأيام ما بين أهلها    مصائب قوم عند قوم فوائد

فكانت إجابة الجميع مختصرة :ندرس اللغة ليس حبا لها ولكن من أجل المال , فتذكرت غضب الطنطاوي في الفصل الثاني من كتابه المستفز على النحاة الذين عقدوا النحو من أجل المال, والحق أن النحاة الأقدمين عرفوا قيمة اللغة في حياة الأمم فجعلوها وسيلة للرزق  كما ترى في الحروف الآتية المقارنة بين لغة صاحب :( تاجر البندقية ) وصاحب (سقط الزند)في كسب  المال على الأقل .

اختبار بمائة ألف درهم


أول ما يعمله مريد مزاحمة بنات الأصفر امتحان تحديد المستوى ويكون في أغلب معاهد اللغة بثلاثين دولارا فقط , أما امتحان الأصمعي لتحديد المستوى فقد قال عنه القفطي في الإنباه :قال الأصمعي بعث إلي محمد الأمين وهو ولي العهد يومئذ وقال : إن أمير المؤمنين قد استدعاك وبين يديه السندي بن شاهك , فقال : خذه وسر فسرت فلما وصلت إلى الرقة أحضرني الفضل ابن الربيع إلى الرشيد وهو منفرد وسلمت عليه فرد واستدناني وقال : أهديت إلي جاريتان وأردت أن تختبرهما وأمر بإحضارهما وهما أحسن شيء فسألت إحداهما عن كل فن من فنون الأدب فأجابت بجواب حسن فاسْتَنْشَدْتُهَا فأنشدت :
يا غِياث البلاد في كل مَحل      ما يريد العباد إلا رِضاكَا
لا وَمَنْ شَرٌفَ البلاد وأعطى    ما أطاع الإله عبد عَصَاكَا

واختبرت الأخرى فوجدتها دونها وقلت : ما تبلغ منزلة هذه وإذا روضت جادت, ثم سأله عن أعجب ما سمع من أخبار الناس وقص عليه قصصا طريفة – سنعرض لها إن شاء الله في مذكرات الأصمعي –ثم قال الرشيد يا عباسي أعط عبد الملك الأصمعي مئة ألف درهم ورده إلى مدينة السلام, وقبضتها وأتتني صلة الجارية ألف دينار مع خادم وأمر لي الفضل ابن الربيع بعشرة آلاف درهم.(إنباه الرواة ج2ص201).

كثير لك ولأمثالك .....حين يدمع العقلاء

كان عبد الملك بن قطن القيرواني النحوي من عقلاء العلماء قال حمدون النحوي الملقب النعجة : كنا عند المهري فخرج وقال اخرجوا بنا إلى مأجل مهرية نتفرج وكانت داره بالقرب من سوق الأحد فخرجنا وجلسنا حوله إلى أن مر بنا نحو عشرين بغلا أو أكثر ومعها رجل راكب فلما رأى المهري عدل إليه ثم قال : يقرأ مولاي عليك السلام وقد وجه إليك بهذه الدواب وهي محملة طعاما وعسلا وخلا وزيتا وهذه عشرون دينارا فقبضها منه تكرها ثم دمع وقال: ذهب الناس إنا لله وإنا إليه راجعون أبو علي بن حميد يوجه إلي بهذا. قال النعجة فقلت له : احمد الله واشكره فإن هذا كثير فنظر إلي وهو مغضب ثم قال : هو كثير لك ولأمثالك فأما لي فلا .(الإنباه ج2ص110).

كان الله في عون معلمي اللغة العربية في عصر الناس هذا,دورة في كتاب سيبويه بخمسين دينارا روى سلمة عن الأخفش قال : كان الكِسَائِي جاءنا بالبصرة فسألني أن أقرأ عليه أو أقرئه  كتاب سيبويه  ففعلت فوجه إلي خمسين دينارا وجبة وشي(.ج2ص273إنباه).

إضراب عن النحو


اقترح الجويني على علي بن فُضَال المُجَاشِعِيٌ أن يصنف باسمه كتابا في النحو فصنه وسماه الإكسير ووعده بدفع ألف دينار فلم يدفع إليه شيئا فأضرب عن النحو .(ج2ص301).

يلحنون ويرزقون


مر عمرو بن العلاء بالبصرة فإذا أعدال مكتوب عليها لأبو فلان فقال أبوعمرو : يارب يلحنون ويرزقون. (ج2ص319)

يوم علم بدرهم


حدث الزجاج قال كنت أخرط الزجاج فاشتهيت النحو فلزمت المبرد لتعلمه وكان لا يعلم مجانا- و لا يعلم بأجرة إلا على قدرها – فقال لي أي شيء صناعتك فقلت أخرط الزجاج وكسبي في كل يوم درهم ودانقان أو درهم ونصف وأريد أن تبالغ في تعليمي وأعطيك في كل يوم درهما أبدا , فلزمه  وخدمه مع ذلك في أموره فنصحه في العلم حتى استقل فلما أرسل إليه ابن سليمان يريد مؤدبا أرسلني إليه فكنت أرسل إليه ثلاثين درهما كل شهر وأتفقده بعد ذلك فيما أقدر عليه, وكان يعطي المبرد ذالك الدرهم إلى أم مات (ج1ص 160).

كلمة بمائة دينار


صنف أبو عمر كتاب الحروف في اللغة وسماه الجيم وأوله الهمزة  ولم يذكر في مقدمة الكتاب لم سماه الجيم وقد سئل القطاع السعدي الصقلي نزيل مصر عن معنى الجيم فقال من أراد علم ذلك فليعطني مائة دينار حتى أفيده ذلك فما بالقوم من نبس بكلمة ومات ابن القطاع ولم يفدها أحدا, وعرضها القفطي بعده للبيع بعشرة دنانير فما اشتراها  أحد  ثم قال :فانظر إلى قلة همة الناس وفساد طريق العلم ونقص العزم فلعن الله دنيا تختار على استفادة العلوم .

تلك شذرات مما كانت عليه العربية أيام كنا نحن نحن والزمان زمان وهي قليل من كثير فإن المتتبع لتراجم النحاة لا يخطئه قولهم : وكان يفيد النحو من غير أجر , وقولهم عن الخليل كان يسكن خصا من أخصاص البصرة وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال , وقول القفطي عن الشلوبيني : "والذي وقع لي أنه غير عاشق في هذه الصناعة , وإنما كان يريدها للارتزاق , ويستدل على ذلك ببيعه لكتاب  العالم في اللغة لأحمد بن أبان في أربعين مجلدا وهو كتاب عجيب غريب لا يسوغ لعالم في اللغة أن يخرج من يده, هذا وقد أشار الأب المؤسس الرئيس المختار ولد داداه في مذكراته إشارة لطيفة إلى أن أحداث 66 المؤلمة لا علاقة لها بالهوية وإنما هي من متعلقات اللغة والمال.



اللغة والمال

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox