الاتجاه المعاكس في الاتجاه المعاكس
الثلاثاء, 09 أكتوبر 2012 07:37

 

برنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة القطرية بات حصة مملة ومزعجة أحيانا، حصة من الصراخ والتهريج تارة والتناقر والتنافر تارات أخرى. ومع ذلك فلا تخلو حلقاته من مما يدعو إلى مشاهدتها أو جزءا قليلا منها.

وبالنسبة للموريتانيين المشدودين إلى قناة الجزيرة، رغم المآخذ الكثيرة والعثرات العديدة لهذه القناة، كانت حلقة الثلاثاء الماضي (2 اكتوبر2012) منتظرة منهم ومشاهدة نظرا لأهمية موضوعها، ونظرا لوجود أحد أبنائهم البارزين طرفا فيها.

انتظرنا إطلالة الأستاذ عبد السلام ولد حرمة ليعيد لنا بعض الأمجاد ـ بله الأحلام ـ القومية في "معركة" نعلم صعوبتها في هذا الزمن الذي انتهى فيه الحصاد القومي إلى صفر على صفر فحقت عليه المساءلة والمحاسبة، على الأقل في الدول التي حُكمت باسم القومية العربية.

مع ذلك توقع الكثيرون، لثقتهم في الرجل، أن يبلي بلاء حسنا وأن يستفيد من دروس الماضي وإكراهات اللحظة فيحاول كسر بعض الأسوار الضيقة وتوسيع الآفاق الدانية للفكر العروبي باقتحام مناطق النقد والتقييم الموضوعي المحظورة في السير القومية العربية، فيحاول ـ مثلا ـ تبرئة الفكر القومي من ممارسات بعض أتباعه وخطايا نُخَبه وعسكرييه الحاكمين (وجميع حكامه عسكريون انقلابيون!)، وأن يعطي الجماهير المناصرة وحتى الحالمة من أتباع التيار العروبي أملا جديدا بأن يقطع ذلك الحبل السري بين التيارات القومية وبين الديكتاتورية.. هذا الحبل الذي بلغ من القوة والشيوع درجة شخصنة القومية العربية باختزالها في ذات الحاكم باسمها حتى لو كانت سياساته وتصرفاته تناقض شعاراته القومية وتسئ إلى العروبة والفكر القومي أي إساءة. وأمثلة ذلك واضحة:

فسوريا الآن تختزل كلها في بشار الأسد والقوميون "التقدميون" يجُودون بهذا البلد العريق، شعبا وأرضا وعمرانا، فداءً لبشار ولبقائه على رأس ذلك النظام المستبد..

والقوميون القذافيون يندبون القذافي ويتمنون في نياحهم عليه أن تدمر ليبيا وتمزق شر ممزق ويهلك أهلها جميعا انتقاما لانتزاعهم السلطة من ملك الملوك، وهو انتزاع لم يتسن إلا بانتزاع روحه وإهانته.

وأما القوميون البعثيون ـ طبعة بغداد ـ فلم يأبهوا لانهيار العراق وتساقط دولته العتيدة، حروبا وحصارا ودمارا، بل ظلوا يرونه مزدهرا منتصرا طالما بقي الرئيس صدام حسين يحكمه بأية طريقة شاء.. حتى إذا أسقطه الغرباء الغزاة وقتله الغرماء العتاة دعوا بالويل والثبور وشقوا "الجيوب" وخمشوا الوجوه والصدور، لأن القائد الرمز كان أهم من العراق ومن الأمة نفسها!

وقبل كل أولئك انتحب الإعلام العربي وحركت وسائل الدعاية القومية ملايين البسطاء وهيجت مشاعرهم حين لوح الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بالتنحي وكذلك حين مات.. بينما لم تُذرف دمعة واحدة على الهزيمة أو "النكسة" ذات العلاقة بأمر الرجل، ولم يسمح أو يسمع لأحد ـ يومئذ ــ بأن يغضب للأرواح المزهقة والأرض المنتهبة والكرامة المهدرة، فضلا عن أن يسأل من فعل هذا..؟!

وعلى هذا الطريق غير المستقيم ما زال كثير من القوميين العرب يسير إلى الخلف ليشد وثاق الناس إلى الباطل الموغل في البهتان والسذاجة حين يحاول إقناع الناس بأن ما يجري في سوريا الآن مؤامرة كونية (صهيونية ـ إمبريالية ـ رجعية) ضد نظام يمسك الأرض والسماء أن تزولا، حرر القدس قبل الجولان وتفرغ لنشر الحرية والعدالة في الأرض..

بكل بساطة توقعت من السياسي الموريتاني القومي الذي احترمه وأقدر جهده.. أن يكسر هذا "الصنم" ويصدع بالحق فيقول: "نعم أرفض التدخل في سوريا وأرفض سياسات الغرب الجائرة وأغراضه الخبيثة ومن يعمل له من الأتباع والعملاء.. ولكن ـ في نفس الوقت ـ أبرأ من كل الأنظمة المتسلطة وأكفر بشعاراتها الزائفة وأقف مع حرية وكرامة الشعوب العربية ولا أقبل إهراق قطرة من دمائها ولا ذرة من استقرارها وبنائها ثمنا لبقاء أي حاكم مهما كان، وأبدأ بسوريا فأقول لحاكمها: كفى دماء ودمارا توقف واخرج فإما أنك سبب ما يحدث وإما أنك عاجز عن وقفه..".

توقعت، أو تمنيت على الأصح، أن يقول ولد حرمه بشجاعة ووضوح إن القومية العربية بريئة من سلوك هؤلاء الحكام المؤبدين الذين يقدمون بلدانهم قرابين لكرسي لم يصلوا إليه بالحق ولا برضا الناس.. أن يقول: انتهت اللعبة وانقشعت الغيمة وعلى الأمة العربية أن تتبع فكرا قوميا مستنيرا كاملا لا يتوقف على الأشخاص ولا على السياسات الفردية.. بل يجسد مبادئ وشعارات هذا الفكر حقا لا زعما وادعاء.

وعلى الرغم من انفعالية وصياح مناظره في البرنامج وضعف أدائه وتطرف عباراته، فقد كان ولد حرمه أيضا رديء الأداء بسبب الموقف الذي وضع نفسه فيه والذي مثل تناقضا صارخا أربكه وجعل دفاعه عن الأنظمة القومية، التي أضرت بالقومية العربية ووأدت كل بشاراتها ونظرياتها الواعدة، مهزلة إن لم نقل أضحوكة سياسية وفكرية.

ففي حين أن أي شخص حتى من البعث أو حتى "الشبيحة" لا يمكن أن يدافع عن النظام السوري فقد أهدر صاحبنا طاقته كلها في الذود المستحيل عن هذا النظام. وكان أفضل ما يستطيع فعله هو صنعة العاجز في المأثور الشعبي الموريتاني: "حتَّ انتَ".. ولكن اجترار سب إسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموما والتنبيه على سوء نواياهم في سوريا وغيرها، وذلك حق، لا يشفع للأسد ولا ينفع نظامه الجائر، وكذلك لا ينفع ولا يغني شتم وتخوين القوى السياسية الأخرى، إسلامية كانت أو غيرها، ولا وصمها بالرجعية والعمالة.. هذه وصفات "خامرة" انتهت صلاحيتها، والأهم أن كل ذلك لم يكن ليقنع المشاهد.

مشكلة كثير من الساسة القوميين أنهم لم يحسوا بتغير العالم وبأن الناس ـ البسطاء ـ لم يعد بالإمكان تدجينهم وإجبارهم على استقاء معلوماتهم من تصريحات المسئولين وبيانات الإعلام الرسمي ومهرجانات الحزب الحاكم. لا، كل ما يجري أصبح الجميع يشاهده ويقرؤه مباشرة دون الحاجة لبسترته بتوجيهات "القيادة الرشيدة". لم يعد بإمكان أي يساري قومي أن يقنع الناس بالخضوع للعبودية والقمع مقابل شعارات بائسة بالتحرر والمقاومة. فبدون حرية الشعوب العربية وامتلاكها لإرادتها بنفسها، لا بفضل "القائد الفذ"، لن تتحرر الأرض ولن يصان الشرف والعرض.

وعلى كل حال فإن هناك أسبابا جلية كانت كفيلة وحدها بثتي رئيس حزب الصواب الموريتاني عن السفر إلى كرسي يجعله في جانب الخطأ.. في جانب النظام السوري، مسافرا في "الاتجاه المعاكس" إلى الاتجاه المعاكس!. من تلك الأسباب مثلا:

1- النظام السوري دمر بلده؛ إما هو بنفسه وإما بعجزه عن حماية وطنه من الأعداء والمؤامرة الخارجية المزعومة.. فهو في كلا الحالين مسئول عن هذه المأساة الدموية المستمرة والحرب المدمرة.

2- النظام السوري على مدى أربعين سنة من شعارات المقاومة والممانعة لم يطلق رصاصة واحدة في الخارج ولا في الداخل ضد إسرائيل رغم احتلالها لجزء كبير واستراتيجي من أراضي سوريا. بل ظلت إسرائيل تقوم بعملياتها الحربية المباشرة وطلعاتها الجوية فوق دمشق.. فدمرت مفاعل دير الزور وقبرت المشروع النووي في مهده وقتلت شخصيات محورية من حلفاء وأعوان الأسد في العاصمة السورية.. وفي كل مرة ترد دمشق ببيان شجب وتهديدات جوفاء ثم تبتلع الذل والمهانة.

أما ما تردده عن دعم المقاومة في فلسطين ولبنان.. فهو من باب العجز وله وجه آخر هو دورها المنهزم في لبنان أيضا، ولكن بعدما عاثت فيه فسادا وتقسيما ووفرت لإسرائيل أسباب العدوان والتدمير وساعدتها على إنهاء المقاومة الفلسطينية من هذا البلد بإخراج أبو عمار وقواته من لبنان إلى عرض البحر كما هو معروف.

3- على الصعيد القومي العروبي فإن سوريا الأسد كانت ولا تزال البلد العربي الوحيد الذي تحالف مع إيران وساندها في الحرب ضد العراق.. وظلت سوريا ولا تزال حليف إيران التي قتل أتباعها الرئيس العراقي صدام حسين نفسه قتلة وقحة مدوية. وإيران التي هي ألد أعداء القومية العربية هي أيضا لا تزال تحتل أرضا عربية (إماراتية).

4- سوريا الأسد رغم شعارات التحرر والقومية ومعاداة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية.. الخ كان دورها بارزا ومباشرا في الحرب على العراق (حرب الكويت) وسحق قوته العسكرية والاقتصادية ومحقها في عاصفة الصحراء، الأمريكية الغربية, فقد كانت قواتها تقاتل إلى جنب الأمريكيين و"الرجعيين" العرب ضد قوات النظام العراقي القومي البعثي!.

ومن جهة أخرى لم يكن من الحنكة السياسية ولا من الأمانة الفكرية أن نتبنى التغيير والإصلاح والثورة والتحرر في بلدان عربية لا تعجبنا أنظمتها (وليست أهلا للإعجاب) كتونس ومصر واليمن ثم نعارض هذه الثورة والتحرر في بلدان أخرى تشترك معها في الخضوع للاستبداد والفساد والقمع، وذلك لمجرد أنها تتفق مع هوانا أو توجهنا الحزبي أو الطائفي أو مصالحنا الخاصة.

ويبقى السؤال الكبير الذي يختزل موضوع الحلقة والذي ينبغي أن يكون جوابه الحكم الفيصل في العموم: ماذا حققت الأنظمة القومية العربية وما هي النتائج النهائية التي جنتها بلدانها بعد سنين حكمها الطويلة؟

والحقيقة أن الجواب معروف وصارخ بنفسه، لكن السؤال المهم الآن هو ما ذا ستحقق الأنظمة الجديدة التي افرزها الربيع العربي سواء كانت إسلامية أو مختلطة أو حتى عميلة على حد توصيف القوميين؟ والجواب لم يحن أوانه ولكنه يجب حتما أن يكون: إما أن تحقق شيئا ملموسا نافعا وإما أن ترحل ليأتي من يحقق شيئا إيجابيا حقيقيا.. وليكن نظاما قوميا عربيا جديدا، جديد تماما، لم لا؟

م. محفوظ بن أحمد

الاتجاه المعاكس في الاتجاه المعاكس

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox