بقلم: شيخن ولد البان
حادثة الرئيس..واستفهامات الزمن!في يوم من أيام العاصمة نواكشوط المثقلة بالهموم الأسرية الصعبة المحتقنة بالأزمات السياسية المختلفة المملوءة بصيحات الشعب المطالبة بالحرية والعدالة,الرافضة للظلم والقهر والمحسوبية-والتي لم تجد حينها سوى القمع الفريد من نوعه-,طلع على الدنيا خبر فريد من نوعه هو الآخر.
في مساء ذلك اليوم تفاجأ الشعب الموريتاني على اختلاف أشكاله وتعدد مذاهبه واختلاف مواقفه من ذلك الخبر الذي انبعث من أرضية لكصر المتواضعة وذاع في سمائها الصافية قبل أن ينام بين جدران المستشفى العسكري الأربع في الليلة الاولى للحادثة.
كانت مفردات الخبر تقول إن رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز أطلقت عليه نيران عن وهو عائد من قريته"اطويلة"شمال نواكشوط. تلك التي كان يعهدها في عطلة الأسبوع بحثا عن الجو الصافي البعيد عن ضوضاء المدينة وصخبها وهرجها ومرجها..لكن كيف يكون ذلك؟؟..فالراحة كما يقال"اعل اظهوره"
ذاع خبر إطلاق النار على الرئيس في أرجاء المدينة في لمح البصر, وأصيب كثيرون بالهلع السافر نظرا لجسامة الأمر وغرابته في القاموس السياسي الموريتاني السالف..محاولة اغتيال أم إطلاق نار..تلك قضية مجهولة!!.
ولكن من المعلوم أن الدولة الموريتانية منذ أن أرست دعائمها على رقعة الوجود,لم يسجل في سجل تاريخها السياسي أن حدثت محاولة اغتيال لأحد من رؤسائها, رغم أن بعضهم كان يحكم شعب المنارة والرباط بالحديد والنار في فترة سالفة من الطغيان والجبروت فريدة من نوعها هي الأخرى.
وحتى هذه الأيام لا زلنا نتذكر تلك اللحظات التاريخية المؤسفة, ولا زال التاريخ يحفتظ بها حتى يوم الجزاء. فظلم الأبرياء وإهانتهم وسومهم سوء العذاب وتشريدهم, ووضعهم في السجون المظلمة الموحشة لن يضيع سدى.."إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".
*************
في مساء يوم السبت"الحزين"غابت شمس الدنيا عن أنظار الناس وغابت معها"حقائق مرة"سطرها التاريخ في جبين الدهر بمداد مجهول حتى هذه الأيام. لم تستطع وسائل الإعلام الوطنية على تعددها واختلافها أن تتوصل إلى حقيقة مقنعة ومستساغة لدى أصحاب الرأي والعقل بخصوص الحادث الأول من نوعه في تاريخ موريتانيا.
كانت حادثة إطلاق النار هي المفاجاة الأولى في قاموس سياسة رئيس الفقراء-شفاه الله-وحكومته في تلك الليلة, لكن الطامة الكبرى وإن شئت المفاجأة الكبرى"الثانية" هي ظهور وزير الإعلام-وفي لمح البصر وقبل أي تحقيق-إلى العالم بأسره على شاشة التلفزيون الوطني محاولا إقناع الرأي العام بأن إطلاق النار كان عن طريق الخطأ وأن رئيس الجمهورية بخير وعافية..نرجو ذلك!!.
لم يطل الوقت كثيرا حتى انقلبت الليلة إلى ليلة مفاجئات كبرى كلها, فبدأت الروايات عن حادثة الرئيس تترى وأصبح كل الموريتانيين وكأنهم عمالقة الفن الروائي رغم قلة أصحابه في موريتانيا, وكانت المفاجاة الثالثة للجميع هي تصريح الرئيس من على سرير المستشفى العسكري بأن الحادث وقع عن طريق الخطأ, وأن النار "نيران صديقة"..فما يعني سيادة الرئيس بقوله"نيران صديقة"؟؟ ولماذا يكون الخطأ من نصيب الرئيس وحسب؟؟..فلماذا لا يصاب الذين معه ولو بجروح"طفيفة"كما حدث للرئيس حسب الرواية الرسمية؟؟.
*************
كثرت الروايات وتعددت الإجابات"الرسمية وغيرها"فقيل أصيب عن طريق الخطأ وقيل نيرانٌ صديقةٌ. ولكن في اعتقادي أرى أنه سواء كانت الحادثة عن طريق الخطأ أو كانت"نيران صديقة"بتنوين الأول والثاني أو الأخير وحسب, فإن الحقيقة الدقيقة والمقنعة للكل والمؤكدة عند الجميع هي أن رئيس الجمهورية أصيب بإطلاق رصاص من طرف شخص ما وفي مكان ما فاخترقت الرصاصات الجسم بطريقة ما. أما من أطلق النار؟ ولماذا أطلقها؟وأين أطلقها؟..فتلك أسئلة الزمن الخالدة, والتي لا بد لها من جواب مهما كان الأمر..وسأترك الجواب للأيام والليالي القادمة وهي كفيلة بإيجاد جواب شاف, ولا نزال في انتظار جوابها بفارغ الصبر.
وفي اعتقادي أن أحسن ما يقال عن تلك الروايات الكثيرة الرسمية منها وغير الرسمية ما قيل عن"لكزانة"سابقا:"ما صدقناه ألا كذبناه", فالحقيقة ما زالت طي الكتمان ولا زال يكتنفها غموض حقيقي. ولكن"ويأتيك بالأخبار من لم تزود" كما أن"الأخبار تبكة في الدار"يقول مثلنا الشعبي المقدس.
ومن هنا أنتهز الفرصة لأعلن عن عدم خوض قلمي في تفاصيل تلك الروايات التي سمعها الجميع على اختلاف مشاربه, اقتنع بها أم لم يقتنع كي لا أصنف من محترفي فن"لكزانة"فلا تصدقوني فيما أقول ولا تكذبوني حتى ولو جئت بما لم يأت به الأوائل.
*************
ذهب الرئيس إلى فرنسا من أجل العلاج, وذهب الشعب الموريتاني إلى الزمن المجهول وعاش عصر الضياع, لينتقل حينها إلى فترة الحاكم المجهول..هنا يثور سؤال خالد من يحكم موريتانيا في هذه اللحظات الفاصلة في التاريخ السياسي الموريتاني المحرج.؟؟..هل هو الرئيس من على سريره داخل مستشفى"بيرسي" عن طريق الهاتف كما قال النائب البرلماني سيد محمد ولد محم.؟ أم نجل الرئيس..أم أحد الجنرالات من داخل إحدى الثكنات العسكرية أم ماذا؟؟..سؤال يملك الإجابة عليه محمد ول عبد العزيز وحده(في اعتقادي).
في خضم هذا البحر المتلاطم الأمواج ثارت شائعات كثيرة عن إمكانية عودة الرئيس, فقيل سيقضي عطلة العيد بموريتانيا ويعود إلى المستشفى لإكمال العلاج بعد ذلك, وقيل يوم الأربعاء وقيل الخميس. لكن دون جدوى..فلماذا لم يأت الرئيس في المواعيد المذكورة؟؟..هل يعنون بالأربعاء والخميس قبل يوم العيد من السنة المقبلة أم ماذا؟؟..أم أن تحديد الموعد وقع عن طريق الخطأ هو الآخر؟
*************
إلى متى يظل الحديث عن حقيقة حادث إطلاق النار على الرئيس طي الكتمان..؟ إلى متى يظل الشعب الموريتاني يجهل الحالة الصحية لرئيسه إذا كان هو من يرأسه فعلا؟ إلى متى سيظل الشعب الموريتاني في فترة الحاكم المجهول؟
مهما طال الزمن وهما تكلف من الكتمان فإن الزمن سيأتي بإجابات شافية لكل هذه الإستفهامات ولو عن طريق الخطأ..؟؟
|