| حين يشهرُ ابن مالك رأيه في وجه سيبويه والجمهور! |
| الاثنين, 19 نوفمبر 2012 11:54 |
|
إخوتي الأعزة، رغم أن الألفية اشتملت على معظم الأحكام النحوية والصرفية بشكل مفصل ودقيق، ورغم أن تلك الأحكام والفروع والجزئيات والتفاصيل كانت ميدانا خصبا للخلاف بين جهابذة اللغة من بصريين وكوفيين وبغداديين وأهل حجاز ومتأخرين وغيرهم. فإن مؤلفها ــ وهو من هو في هذا الفنِّ ــ لم يُصرِّحْ برأيه الخاص إلا في أربع مسائل فقط، وقد سماها طلاب المحاظربــ "كشحات ولد مالك عن عظلة". أول "الكشحات" كانت في باب الضمائر، فقد اختلف النحاة في الضمير الواقع خبرا لكان وخالَ وغيرهما، مما عامله ناسخ هل ينفصل أم يتصل؟. فسيبويه والجمهور اختاروا الانفصال. وحجتهم أن الضمير كان خبرا والضمير الذي كان خبرا يجب أن ينفصل، ولقول الشاعر: لئن كان إيَّاهُ لقد حال بعدنا = عن العهد والإنسان قد يتغيَّرو
أما ولد مالك فقد اختار في البابين: أيْ باب كان وشبهها وخالَ وأخواتُها الاتصالَ لأنه الأصل، ولسماعه، ففي الحديث الذي فيه قصة اليهودي ابن الصياد مدعي النبوة والذي حضر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فصار صلى الله عليه وسلم يسأله عن بعض الأمور فيجيبه بالحق تارة وبالباطل تارة، فقال له عليه الصلاة والسلام: "لقد خُلِّطَ عليك" فتدخل عمر رضي الله عنه وقال : دعني اضرب عنقه يا رسول الله، إنه الدجال. فقال صلى الله عليه وسلم: "دعه عنك إن يَكُنْهُ فلن تُسَلَّطَ عليه وإلا فلا حاجة لك في قتله". ومما استشهد به ابن مالك إضافة إلى هذا الحديث الشريف، قول الشاعر: بلّغت صنع امرئ برٍّ أخالكه = إذ لم تزل لاكتساب المجد مبتدرا وإلا المسألة وغيرها أشار ولد مالك بقوله في الألفية : وصل أو افصل هاء سلنيه ومـــا == اشبهه في كنتُهُ الخلف انتـمى كذاك خلتنيه واتصــــــــــــــــالا == اختار غيري اختار الانفصالا ثانية المسائل التي اظهر فيها ابن مالك عضلته هي: مسألة أن يكون المفعول الثاني لـ "ظن" أو "أرى" نائبا، فقد منعه سيبويه والجمهور وأجازه ابن مالك بشرطين: أن يظهر القصد، وأن لا يكون المفعول الثاني جملة أو شبهها، وهو: الظرف والجار مجرور. وقد أتَّبعَ ابن مالك في باب ظن ابنَ طراوةَ، أما في باب رأى فقد تبع نفرًا من الكوفيين. وقد ساق ابن مالك شاهدا على ذلك هو قولهم: ظٌنَّ زيدا قائمٌ واعْلِمَ عمرًا كبشُكَ سمينا. والمسألة كلها يقلُّ فيه السماع وتنعدم فيها الشواهد. وإلى هذه المسألة أشار ابن مالك في الألفية بقوله: وباتِّفاقٍ قد ينــــــوبُ الثاني مِنْ = باب كسى فيما التبــاسه أُمِنْ في باب ظنَّ وأرى المنع اشتهرْ= ولا أرى منعا إذا القصد ظهر
ثالثة المسائل هي: أن يتقدم الحال على صاحبه المجرور، فقد منعها الجمهور وسيبويه، وأجازها ابن مالك قياسا على حالتي الرفع والنصب، ولقول الشاعر: تسليت طرا عنكم بعد بعدكم = بذكراكم حتى كأنكم عندي وقول الآخر: إذا المرء أعيته المروءة ناشئا = فإدراكها كهلا عليه عسير وكقوله تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس. وإلى المسألة أشار في الألفية بقوله: وسبق حالٍ ما بحرف جُرَّ قد == أبو ولا امنعهٌ فقد ورد
المسألة الرابعة هي: أن الجمهور وسيبويه اشترطوا في باب العطف أن يعود الخافض حرفا أو اسما لدى العطف على الضمير المخفوض واستشهدوا على ذلك بقوله جل من قائل: "فقال لها وللأرض إيتيَّا طوعا أوكرها" وقوله: "وعليها وعلى الفلك تحملون". إلا أن ابن مالك يخالفهم في ذلك تبعا للكوفيين ويونس، وقياسا على ضميري الرفع والنصب، ولِوُجُوده في النظم والنثر، قال الشاعر: فاليوم أقبلتَ تهجونا وتشتمنا = فاذهب فما بك والأيامِ من عجب وكقوله تعالى في قراءةٍ "تسَّاءلون به والأرحامِ" وإلى المسألة أشار محمد بن مالك رحمه الله في الألفية بقوله: وعودُ خافضٍ لدى عطف عـــلى = ضميرِ خفض لا زما قد جعلا وليس عندي لا زما إذ قد أتــــى = في النظم والنثر الصحيح مثبتا
إخوتي الأعزة، هذه باختصار مخل هي المسائل الأربع التي كشف فيها محمد بن مالك عن وجهه، معبرا عن رأيه، والذي كان معضَّدًا بالقياس والسماع ومستندا إلى رأي نخبة من علماء اللغة..! أشير ختاما، إلى أن القوم درجوا على أن يصرحوا باسم سيبويه، لأنهم لم يكونوا يريدوه أن يذهب "افلخلاط"، وقد اقتديتُ بهم في ذلك، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على أفصح من نطق الضاد محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. |
