ولد الوقف: إيجابية تتحدى الإعاقة |
الخميس, 27 يونيو 2013 19:51 |
يدفع محمد الأمين عربته ببطئ وهو يشق طريقه نحو مكتب الاستقبال بالجمعية الموريتانية لرعاية المعوقين، إنه أحد الأوفياء للحضور إلى الجمعية رغم مشاق المواصلات وبعد الشقة وظروف الإعاقة لكن همته العالية وعزيمته المتوثبة لا تسمح له أن يبقى رهين العجز والإعاقة، إنه الآن يريد استذكار ما أخذ من دروس في المعلوماتية استعدادا لامتحان نهاية الدورة المنظمة من قبل الجمعية للعشرات من أمثاله. فهو لا يفوت أي فرصة للتعلم وتنمية مهارات يقول مسؤول الاستقبال بالجمعية ليعلق ولد الوقف مؤكدا استفادته من الدورة التي تشمل أيضا دروسا في المحاسبة والتربية الإسلامية، فهو الآن يجيد الطباعة على الحاسوب والتعامل مع البرامج المكتبية. أما دوافعه للالتحاق بالدورة فيقول ولد الوقف إنه الانفتاح على تقنيات العصر والاستفادة من إمكانات الحاسوب في الإطلاع على المعارف والكتب. كما أن لدى أسرته مكتبة يريد تحويلها إلى اسطوانات او صيغة البيدأف حتى يسهل الاطلاع عليها،وتضم هذه المكتبة 40 مخطوطا.
همة عالية ينظر ولد الوقف إلى الإعاقة على أنها تحدي وحافز للتمييز والإبداع فلا ينبغي الاستسلام لها "فالمرء بأصغريه " كما يقال لذا كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وهو ما يجذبه من ناحية لشعار الجمعية :"استعن بالله ولا تعجز"، فإذا رزق الإنسان عقلا راجحا وسعى إلى السبق والتمييز فلا يمكن لأي إعاقة جسدية أن تحول بينه وبين تحقيق هدفه. وبهذا المنطق الايجابي اعتاد ولد الوقف تحفيز نفسه رغم إعاقته الحركية والجسمية المضاعفة.
إعاقة مبكرة. لا يتذكر ولد الوقف الكثير عن البدايات الأولى لإعاقته كل ما يعرفه أنه ولد صحيحا معافا كأي طفل من أترابه لكنه كان الأكثر نشاطا ومشاكسة والأقدر على الايقاع بالمحيطين به من خلال مقالب لا يمكن كشفها مما سبب له بعض المتاعب مع سكان قريته، لذا يؤمن إن شقاء الطفولة ربما جلب له العين حتى أصيب بتلك الحمى الشديدة التي انتابته بعد ما كان يسبح مع رفاقه في أضاة الوادي القريبة من مساكن قريته في تكانت. ومع استمرار الحمى بدأ يفقد القدرة على تحريك أطرافه مما تطلب نقله للعلاج في نواكشوط لكن بعد فوات الأوان. أجرى ولد الوقف عمليتين جراحيتين آخرهما كانت في 2002 حتى يستعيد الوقوف على قدميه ورغم خروجه منهما في وضعية جيدة إلا أن غياب الرعاية الطبية وضعف الوعي الصحي حالا –حتى الآن –دون شفائه بشكل تام لذا لا زال رجاؤه الوحيد أن يجد من يتكفل بعلاجه في الخارج حتى يقطع الشك باليقين في مدى قدرته على السير والحركة.
إيجابية آسرة واليوم وبعدما استقرت أسرته في نواكشوط وتحديدا في حي "أسبيخه" بتوجنين لا يريد ولد الوقف أن يفوت أي فرصة للتغلب على إعاقته سواء من خلال التعلم حيث تلقى تعليما محظريا قبل أن يتابع في التعليم النظامي حتى مرحلة الباكولريا أو من خدمة الآخرين من زملائه أو من جيران السكن في هذا الحي المعزول الذي يعاني من مشكل المواصلات وغياب أبسط الخدمات الأساسية. يقول ولد الوقف إن انتظار سيارات الأجرة قد يأخد منه ساعات من أجل الوصول إلى مقر الجمعية، كما أن انعدام أي طرق مسفلتة يعيق حركته نحو أقرب شارع حيث تغوص عجلات عربته اليدوية في الرمال ويظل على هذا الحال حتى يقيض الله له من ينقذه من هذه الورطة.
رسائل لمن يهمه الأمر لا يكف ولد الوقف عن إبداء رأيه في مختلف الخدمات المتعلقة بالمعوقين خاصة الجمعيات المعنية بهؤلاء والتي يرى أنها تقوم بدور رائد خاصة الجمعية الموريتانية لرعاية المعوقين والتي انتسب إليها بعد تجربة عريضة في العمل الأهلي بنواذيبو،وبالتالي يدرك جيدا أهمية مساعدة المعوقين على الاستقلال المالي وتوفير موارد ثابتة لهؤلاء من خلال القروض الميسرة والتكوين على المعلوماتية وبعض الحرف المهنية وهو ما خطت فيه الجمعية خطوات كبيرة خاصة بعد إنشاء مركز التكوين على المعلوماتية التابع للجمعية.وبالتالي تبقى رسالته للجمعية الاستمرار على نفس النهج. أما المجتمع فيطالبه بتغيير نظرته للمعاق الذي بإمكانه الإنتاج في جميع المجالات متى ما وجد الدعم والتشجيع لا الرثاء والشفقة مطالبا السلطات بتخصيص نسبة 12% من الوظائف المعتمدة لذوي الاحتياجات الخاصة. أما المعاقون فرسالة ولد الوقف لهم أن يستعينوا بالله ولا يعجزوا ولا يستسلموا للإعاقة بل يتحدونها ويعملون على قهرها. أما ما يثير الشفقة ويستدر الإشفاق حقا –حسب ولد الوقف -فهم أولئك الذين اتخذوا من عاهاتهم سلما للتسول واستجداء الصدقات حيث يدعو هؤلاء إلى اللجوء للجمعيات والتكوين على حرف يدوية يكسبون منها رزقهم،فالموارد متوفرة لله الحمد لكن المشكل في العقليات المتحجرة، والعادات الاجتماعية البالية على حد تعبيره. بهذه النظرة المتفائلة والأحلام المتوثبة تركنا ولد الوقف يوجه زملاءه ويحفزهم إلى العمل والإنتاج ويعلن ثورته على الوضع البائس الذي يعيشه كثيرون من ذوي الاحتياجات الخاصة في موريتانيا. ثورة سرعان ما ينطفي مفعولها وتخبو حرارتها تحت وطأة النظرات الخائرة والابتسامات الساخرة التي يرسلها مخاطبوه قبل أن يتسلل أحدهم من مكتب الجمعية وهو يسحب عربته ببطء وتثاقل ثم يلقي عبارات الوداع في أدب واحترام.
|