|
لم يعد في مزارع السبخة –التي تقع في قلب العاصمة نواكشوط – ما يريح النظر ويسري عن النفس بعدما أصبحت مكبا للأوساخ والنفايات، ومكانا للتخلص من مياه الصرف الصحي، وأزقة وممرات ضيقة تملؤها الأحراش والزرائب التي لا زال ملاك الأرض يتمسكون بها كحدود لملكياتهم القديمة..لكن في عاصمة الصحراء ي 
صبح أي فضاء للخضرة محط أنظار الناس حتى ولو كان بؤرة للتلوث والنفايات. وفاء يستعصي على الزمن وحدهم ملاك الأرض وبعض من العاملين في مشاتل الزهور لا زالوا الأكثر وفاء على مستوى زيارة المزارع والتردد عليها وبشكل يومي يركيت ولد أعبيد عجوزسبعيني لم يثنيه العجز وهموم التقاعد عن أن يكون أول المدافعين عن بقاء المزارع كسلة لتزويد أسواق نواكشوط بالخضروات والنعناع، وكفضاء أخضر يزهو به وجه عاصمة الصحراء، فحب المزارع يجري في دمه وقد استقر في سويداء قلبه منذ بدء مشروعها في السنوات الأولى من عمر دولة الاستقلال. ويستجمع ولد أعبيد كل قواه الذهنية ليتذكر طفولته في ببوتلميت مطلع ثلاثنيات القرن الماضي وكأي شاب طموح كانت عينه على سان لوي أول عاصمة لم وريتانيا حيث سافر إلى هناك وألتقي الرئيس المؤسس المختار ولد داداه وعاد للعمل كطباخ خاص في القصر بعد ما تلقى دورة في هذا المجال. لا تسعفه الذاكرة باسم الطبق المفضل للرئيس المرحوم ولد داداه كل ما يتذكره أن مصروفات الرئيس كانت محدودة للغاية وعديمة الأثر عل ى ميزانية الدولة. مشروع رائد كان ضربا من المستحيل في نظر الكثيرين من معاصري دولة الاستقلال ما تصدى له الرئيس ولد داداه من بناء نواكشوط في قلب الصحراء وفي بيئة تعدم كل مقومات الحياة بما في ذلك الماء الذي كان يجلب في صهاريج من روصو ويوزع مجانا كالمواد التموينية وبواقع 200لتر أسبوعيا لكل أسرة. كان الرئيس كما يقول ولد اعبيد أزهد الناس في المظاهر الجوفاء فكان من عامة الشعب حقا ولم يكن لديه سوى سيارة من نوع "دي شيفوه" قبل أن تهديه ألمانيا سيارة مرسيدس. أما راتبه من عمله مع الرئيس أنذاك فكان في حدود 2500فرنك رغم أن تعويض تقاعده قبل سنوات قليلة لا يتعدى 20000أوقية. لا زال ولد أعبيد يستحضر الشهور الأولى لانطلاقة مشروع مزارع السبخة والذي كان تحديا حقيقيا لتزويد المدينة الوليدة بالخضروات والفواكه وهو ما نجح فيه إلى حد كبير بسبب إشراف واهتمام السلطات انذاك والتي انتدبت مهندسا فرنسيا للعمل في المشروع يساعده مؤطرون من السنغال. وهكذا تنوعت غلة المشروع من النعناع والموز والجوافة ومن الجزر والطماطم وبما يغطي جزء كبيرا من احتياجات سكان نواكشوط. كان المشروع تحديا حقيقيا لمواجهة النقص الكبير في الخضروات والفاكهة في المدينة الوليدة وقد نجح إلى حد كبير في توفيره ليس فقط لميسوري نواكشوط بل أيضا لفقرائها الذين كانت المزارع وجهتهم الأولى، ويكفي أن عدد المسجلين في القطاع الذي توجد به حوزة ولد أعبيد بلغوا حوالي 652 فردا ما بين مزارع ومال ك للأرض. أطلال مقبرة وحكايات عن ال جان تحتزن ذاكرة ولد اعبيد الكثير من الحكايات حول البدايات الأولى للمشروع وكيف أن المحور الغربي من الحدائق كان يضم مقبرة صغيرة لا زالت أطلالها موجودة وإلى اليوم في عين المكان حيث تم تسوريها بعدما غاصت عجلات البلدوز الممهد لأرض المشروع كلما اقترب منها،وكيف أن السائق ترك عمله خوفا من اقتحام المقبرة التي كان يعتقد أن الجن يحرسونها أو أن بها قبر ولي صالح كما يقول ولد أعبيد لكن مع الوقت أصبحت المقبرة حكرا على عمال المشروع حيث يندر من رفاق ولد أعبيد من لم يسبق له أن ودع فيها عزيزا لديه ووسده الثرى في هذا المكان الموحش من مدينة نواكشوط . وحده ولد أعبيد ومن في عمره من ملاك المزارع من يعرف اليوم مكان هذه المقبرة المدفونة تحت الأشجار والأحراش تتناثر شواهدها كأطلال مبنى مهجور. تمسك بالحق واليوم يتمسك ولد اعبيد ورفاقه بموقفهم الرافض لتحويل حدائق السبخة فهم وحدهم من اختلط عرقهم بثرى هذه الأرض وضحوا بزهرة شبابهم لتعميرها واستصلاحها بل ودفنوا فيها أحباءهم فكيف لهم أن يتركوها أو يتخلوا عنها يعلق ولد أعبيد. وبدل ذلك يتمنى هؤلاء لو يحظون ببعض الاعتبار فتأخذ السلطات بمطالبهم وتبقي لهم ملكياتهم في المشروع التي لا زالت حدودها معروفة. أما عودة المشروع إلى سابق عهده فهو حلم يدركون صعوبته الآن بعدما طوقته المباني الإسمنية واستقرت في محيطه القمامات والأوساخ وعطلت آباره ومنشأته وغدا مكانا مهجورا بل وخطرا أحيانا لا يتردد عليه غير أعبيد وزملائه أو بعض من العاملين في المشاتل وبيع نباتات الزينة. |